شريط الأخبار
الغذاء والدواء توضح حول النودلز الكوري جامعة عمان الأهلية تعلق دوام يوم غد يوم الخميس اعلان حالة الطوارئ القصوى الطفيلة: ثلوج وانجماد واغلاق جزئي لعدة طرق الأشغال تزيل عوائق امام 3 حافلات سياح في الجنوب اسعار الذهب محليا الأربعاء الحكومة حول دوام الخميس نشرة جديدة حول تطورات الحالة الجوية تعليق الدوام في الجامعة الأردنية بسبب الظروف الجوية وفد من جامعة عمان الأهلية يزور المركز الأردني للتصميم والتطوير JODDB حب السلطة والنفوذ تحديد بداية شهر رمضان فلكيا الباص السريع من الساعة 8 صباحا حتى 8 مساء الثلاثاء استشهاد الوكيل محمد المشاقبة ليلحق بالنقيب الخضيرات تفشي مرض فيروسي بمزارع غور الاردن بفلسطين النائب القطاونة: لا نية لدى النائب حسن الرياطي تقديم استقالته تأخير مراكز التطعيم حتى الساعة ١٠ صباحا توجيهات ملكية سامية بإرسال طائرة إخلاء طبي لنقل مصاب أردني في السعودية تغريم 17 شخصًا في المفرق نحو 9 آلاف دينار الاجتماع الأول للمجلس الاستشاري الخاص بمركز صحة المرأة في جامعة عمان الأهلية

د. محمد علي النجار يكتب:

أزمة المياه بهلول يتكلم ... وعاقل يسمع!!

أزمة المياه بهلول يتكلم  وعاقل يسمع
 


 

د. محمد علي النجار


منذ زمن ... وأحد الأصدقاء يقترح .. ويلح على رغبته في جمع من تبقى من زملاء الدراسة في (التوجيهي) واستضافتهم في منزله ... إلى أن تحقق له ما يريد خلال الأسبوع الماضي ، رغم برودة الطقس ، وحرارة النقاش حول بعض القضايا التي تفرض نفسها على الساحة ، وعلى رأسها أزمة المياه..

لم يكن عددنا كبيرًا ، إذ تجاوز عدد أصابع اليد الواحدة بقليل.. نظرت في وجوههم لعلي أتذكر أسماءهم ، فمن أين لي ذلك وقد تغيرت ملامحهم ، واشتعلت رؤوسهم شيبًا ، إلا أنني استطعت أن أتذكر اسم واحد منهم ، وأميزه من بينهم .. إنه بهلول!! .. وكيف لا أتذكره وقد كان يملأ الصف بحركاته ومشاغباته ومناكفاته ، وما عرفناه إلا (بهلول) حتى نسينا اسمه الحقيقي ، فما زال يحتفظ بكثير من ملامحه ، وطباعه التي تأصلت فيه ، ويبدو أنها استعصت على التغيير رغم مرور عقود عليها من الزمن.


كنت أتوقع بعد أن تعارفنا أن نتذاكر تلك الأيام الخوالي ، وأخبار بقية الزملاء ، وبعض معلمينا الأحياء أمد الله في أعمارهم ، إلا أن الأحاديث اتخذت طابعًا آخر ، ولا أتذكر كيف تحولت الجلسة إلى ما يشبه (حلقة نقاشية) فما أن دار الحديث حول موضوع الساعة (الأزمة المائية) حتى استل بهلول لسانه ، وبدا وكأنه محلل متخصص في علوم طبقات الأرض ، وكشف زميلنا بمداخلته الطويلة حقًا عمّا يتمتع به من ثقافة عامة ، وحصيلة من المعلومات التي يفتقر إليها معظم الحضور.
اعتدل بهلول في جلسته ، وتصدر الحديث الذي سأنقله بأمانة مع قليل من التصرف . حيث بدأ كلامه متسائلاً .. مستنكرًا

 ومحتدًا: من قال لكم ليس لدينا ما يكفي من الماء؟! لدينا كميات وافرة من الماء ، ولكن عندنا أيضًا سوء إدارة لهذا الملف ... زم بهلول شفتيه ، وأغمض عينيه ، ومد رأسه إلى الأمام وهو يهزه يمنة ويسرة ، ثم قال: أعطوني وزارة المياه .. وأنا على استعداد أن أنهي مشاكلها خلال عام ... فانفجر الزملاء في الضحك ، إلا أن بهلول أكمل فكرته قائلاً: بشرط ألا يشملني التغيير الوزاري قبل انتهاء السنة!!. فتجدد ضحك الزملاء ، وانبرى أحدهم وقال: جميعنا نؤيد يا أبو حميد انضمامك للوزارة المقبلة ، ولكن ماذا ستفعل؟ وكيف ستحل لنا المشكلة؟!.

صمت بهلول قليلاً ثم قال بصوت هادئ: يهطل على بلدنا ما معدله ثمانية مليارات متر مكعب من الأمطار سنويًا ، فلا نجمع في سدودنا السبعة عشر سوى 336 مليون متر مكعب في أحسن الأحوال ، وهذه الكمية المتواضعة معرضة للتبخر والتسرب والجفاف كما حصل منذ فترة في بعض سدودنا ... وخرج أبو حميد عن هدوئه وهو يقول: من ثمانية مليارات متر مكعب تتبخر سبعة مليارات ... غريب وعجيب ... ربنا سبحانه وتعالى ينزل علينا من الغيث ثمانية مليارات ، فنعجز ، ولا نجد طريقة أو وسيلة نخزن بها من هذه الكميات ما يكفينا ... ماذا يفعل الوزراء؟ وماذا يفعل الأساتذة والعلماء والمستشارون والباحثون وأصحاب العقول في بلدنا؟ لماذا يتركوننا نمد أيدينا نتسول الماء من هنا وهناك؟!.


قاطعه أحد الزملاء قائلاً: يا أبو حميد ، وعدتنا بأن تحل هذه المشكلة ، ولم تدخل في صلب الموضوع حتى الآن ، ونراك تهرج كما عرفناك في المدرسة لم يتغير فيك شيء!!.


اعتدل بهلول ، وجلس على ساق ونصف ، وشمر عن ساعديه ، وقال: لو كنت مسؤولاً ، لكلفت طواقم المهندسين والفنيين بالوزارة ، واستعنت بالمتخصصين من أساتذة الجامعات والباحثين لمسح أراضي المملكة ودراستها ، وبالتحديد المناطق الصخرية ، وبخاصة أحواض السدود وما حولها ، واستدرك زميلنا موضحًا أنه يطرح الخطوط العامة لأفكاره ، ولن يدخل الآن في التفاصيل ودقائق الأمور ؛ لأن هذا ليس وقته .. فالتفت أحد الزملاء إلينا مبتسمًا وقال: التفاصيل ودقائق الأمور عندما يتسلم أبو حميد الوزارة ، فضحكنا وشاركنا بهلول هذه المرة في الضحك .. واستأنف حديثه بأن الفكرة تكمن بحفر آبار ضخمة تكون عبارة عن خزانات في منتصف أحواض السدود ، بحيث تمتلئ هذه الآبار لزيادة طاقة السدود ، من خلال جمع كميات إضافية من الماء ، خاصة وأن بعض السدود غير قابلة لزيادة مخزونها ، ومهددة بالانهيار في حالة زيادة طاقتها الاستيعابية.


 أما في حالة عدم توافر المواصفات المطلوبة في أعماق التربة أسفل بحيرة السد ، أو صعوبة التنفيذ وسطها ، فيتم التنفيذ في أقرب نقطة من السد بحيث يتم بعد الانتهاء من تنفيذ البئر ، توسعة السد أفقيًا لتغمره المياه ، ويكون جزءًا منه ، وإن تعذر ذلك يظل البئر مستقلاً بذاته ، ويمكن أن يتم تصريف الفائض من السد إلى البئر ، إضافة إلى تحويل مسار بعض الأودية لتصب في هذه الآبار ، أو ضخ مياه بعض الأودية والسيول فيها.


ومضى أبو حميد في حديثه ، وقد فتحت شهيته عندما رأى أننا بدأنا نستمع إليه باهتمام ، قال: أما مواصفات هذه الآبار ، فستكون بارتفاع .. بل بعمق برج مكون من ثلاثين طابقًا ، أي في حدود مئة متر ، مع الأخذ في الاعتبار إجراءات السلامة ، وسبل الأمان ، وتطبيق الاحتياطات المناسبة ، أما أطواله فستكون ثلاثمئة متر طولاً ، ومثلها عرضًا في القاع ، وسيتم التنفيذ في الأماكن الصخرية المناسبة ، بحيث تكون الجدران على شكل زوايا منفرجة ؛ لضمان عدم انهيارها ، وللتقليل من التكلفة بحيث لا تحتاج في هذه الحالة إلى حوائط استنادية ، بل يكفي تشبيعها بالمواد العازلة المناسبة ، أو استخدام كميات أقل من بعض أنواع الإسمنت ، أو المواد العازلة الأخرى ، لسد الشقوق والفتحات ، ولمنع تسرب الماء إلى الأخاديد والقنوات في الطبقات الصخرية ...


ولما كان هذا المشروع مشروعًا وطنيًا ، فإن معدات وآليات الوزارة ستقوم بالتنفيذ ، بمشاركة معدات وآليات أمانة العاصمة ، والبلديات ، والقوات المسلحة ، وبدعم من القطاعين العام الخاص ، وفتح المجال أمام العمل التطوعي ، وسينتهي العمل في وقت قصير ، أي أقل من سنة بإذن الله ، فإذا تم تنفيذ عشرين بئرًا أو خزانًا - سمّه ما شئت - فإن ذلك يعني تخزين قرابة مئتي مليون متر مكعب إضافية ، إلى جانب كميات المياه المحتجزة في السدود ، وإذا كان معالي وزير المياه قد ذكر قبل أقل من شهر ، أن المملكة بحاجة إلى 555 مليون متر مكعب من الماء في العام المقبل 2022م ، وأن المتاح 510 ملايين متر مكعب ، أي أن العجز حوالي خمسة وأربعين مليون متر مكعب ، فإن ذلك سيعني أنه سيكون عندنا فائض من الماء!!. فإذا تمكنا من الحفاظ على الفاقد الذي يصل في بعض الحالات إلى 50% ، وإذا استطعنا منع المخالفات والاعتداءات على خطوط الماء ، فإننا سنخرج بقوة وجدارة من عنق الزجاجة ، ولن نتسول الماء من أحد.


وقبل أن يستأنف بهلول حديثه ، اضطررت للتدخل دون أن أحرج أحدًا ، للخروج من هذه المناقشات التي حولت لقاء قدامى التوجيهي إلى حلقة نقاش ، وجلسة للعصف الذهني واستمطار للأفكار ، وهو الأمر الذي لم نجتمع من أجله ... إلا أن صاحب الدعوة استأذنني بدقيقتين ، وسأل صاحبنا قائلاً: إن الكلام سهل ، والتنظير أسهل ، فإذا أردنا تنفيذ هذه الآبار الكبيرة ، فمِن أين لنا تأمين التكاليف؟!


يبدو أن بهلول لم يتفاجأ بالسؤال .. لم يتلعثم ، وكان جوابه جاهزًا على لسانه ، قال: لن تكون التكلفة عالية كما تتخيل ، فالقسم الأكبر من العمل سينصب على الحَفر وبمعدات الدولة والتبرع من القطاع الخاص ، والعمل التطوعي ، أما الأموال فإننا لن نعدم التمويل ، وأحب أن أذكرك ببدايات جائحة كورونا ، والتبرعات التي وصلت همة وطن ، وبلغت أكثر من 940 مليون دينار ، فالوطن معطاء ، ومعدنه الأصيل تراه عند الأزمات ، أضف إلى ذلك أن هناك مساعدات ستصل قبل البدء بالمشروع ، وعند المباشرة فيه من عدة جهات دولية وعربية ، بما يغطي التكاليف ويزيد..


وللعلم فإن أبا حميد أكمل دراسته لمدة عامين في معهد المعلمين ، ولم يفكر في الدراسة الجامعية ، لمعرفته – كما قال - بإمكاناته وطموحه ، وعمل معلمًا في مدرسة ابتدائية إلى أن تقاعد ... قلت في نفسي: صدق من قال: (خذو الحكم من أفواه البهاليل) ولكن يبدو أننا ظلمنا أبا حميد بهذا اللقب ، واكتشفنا أننا نحن البهاليل!!.


انفض اللقاء ، وتصافحنا ، وتواعدنا على أن نلتقي ثانية ، ولكن بشرط أن نترك أزمة المياه لأصحابها فهم أولى بها ، وأعلم منا بمداخيلها .. ولكن ظل سؤال يطرح نفسه علي ؛ إذا كان هذا البهلول يستشعر خطورة الموقف ، ويعيش مع هاجس المياه ، ويضع المشكلة نصب عينيه ، ويندفع بحماسة للتفكير بالحل خارج الصندوق ، فماذا عن أصحاب الشأن والقرار ، وماذا هم صانعون؟!.