شريط الأخبار
ارتفاع الدخل السياحي الأردني خلال 8 أشهر نص حوار رئيس الوزراء مع التلفزيون الأردني​ تسوية الأوضاع الضريبية لـ 176 شركة ومكلفًا إغلاق مشغل لصناعة المستلزمات الطبية في إربد ظهور غيوم متفرقة على ارتفاعات مختلفة أسعار المحروقات الشهر المقبل ستكون الأعلى في تاريخ الأردن وفاتان و3 إصابات إثر حادث تصادم في معان الخصاونة : من الضرورة الاستمرار بقانون الدفاع 17 مليون حركة على “سند” خلال الأسبوع الحالي ستاندرد أند بورز تعيد تثبيت تصنيفها الائتماني للبنك الإسلامي الأردني عويس: نظام سيصدر قريبًا بشأن تعيين رؤساء الجامعات الداخلية توضح ظروف عدم اقامة فعالية لحزب جبهة العمل الاسلامي ارتفاع حوالات المغتربين الأردنيين الملك يبدأ جولة أوروبية الاثنين القادم براءة النائب ينال فريحات الملك: منظومة التحديث السياسي جزء من حزمة إصلاحات تشمل الاقتصادية والإدارية 8 وفيات و 1232 اصابة جديدة بفيروس كورونا في الاردن تشكيل فرق بحثية في تمريض جامعة عمان الأهلية عباس: الوضع الحالي بالضفة لا يمكن استمراره الصحة: لا نحب اللجوء للاغلاقات ويجب تخفيف التجمعات

نهاية الإعلام الورقي

نهاية الإعلام الورقي
لم يعد العالم نتيجة لهذه الثورة التقنية مجرد قرية صغيرة كما وصفها مارشال ماك لوهان، وإنما تحول إلى غرفة أو مبنى واضح المعالم والأبعاد كما قال المفكر الإيطالي تشارلز كولي.
منذ بدأت الصحف العالمية المرموقة الإعلان عن توقف صدورها الورقي وسط تحول غير مسبوق نحو رقمنة الإعلام الذي تأثر بشكل مباشر وفوري وقوي بأمواج تسونامي التكنولوجيا الرقمية منذ مطلع الألفية الثالثة. حيث بدأت تتهاوى امبراطوريات الإعلام الكبرى التي لم تواكب التغير ولم تمتلك المرونة الكافية من أجل إعادة هندسة وبناء منظومتها الإعلامية، فشاهدنا إغلاقات لعديد من الصحف الورقية التي بدأت بالصحف الأسبوعية والمسائية والمتنوعة، فيما بقيت تجاهد وتكابر عديد من الصحف اليومية وخاصة تلك المدعومة والمعبرة بشكل مباشر عن الإعلام الرسمي للدولة. لكن في ظل الإستنزاف للموارد وزيادة العجز والأعباء المالية والتي تفاقمت إلى درجة الاستفحال والمرض المزمن الذي لا شفاء له إلا بالبتر والتخلص نهائيا من العضو المتعفن الفاسد .
يعود صدور أول نسخة إلكترونية في العالم إلى عام 1993 بعد أن أطلقت صحيفة "سان جوزيه ميركوري" الأميركية نسختها الإلكترونية، تلاها تأسيس صحيفتي ديلي تليغراف (Daily Telegraph) والتايمز (Times) البريطانيتين لنُسْخَتِيهما الإلكترونية.
عربيًّا، أصدرت صحيفة النهار اللبنانية نسختها الإلكترونية، وأصدرت صحيفة الشرق الأوسط اللندنية نسختها الإلكترونية عام 1995، بينما تُعتبر صحيفة إيلاف، الصادرة في لندن عام 2001، أول مِنَصَّة إلكترونية عربية. ومع تطور الإمكانات المتاحة على الإنترنت ظهرت المواقع الإخبارية التي كانت في البداية تابعة لمؤسسات وشبكات إعلامية، مثل: موقع "الجزيرة نت" و"العربية نت"، وتوالدت آلاف المواقع الإلكترونية، وهو ما مَهَّدَ الطريق لظهور المدوَّنات التي تُمَثِّل أبرز أنواع الإعلام البديل؛ واتضح ضرورة التمييز بين ما يطلق عليه اسم صحيفة إلكترونية وموقع إخباري إلكتروني، ومدونة ( Blog )، فيما أتاحت مواقع التواصل الاجتماعي المجال لما تدعى بالصفحات الشخصية للأفراد ، كما أتاحت فرص الظهور المرئي في الوقت والمكان الذي يرتأيه أي فرد في أي دولة ويوجه رسائله لأي جمهور. إن " كلوب هاوس " الذي أصبح فضاء واسعا لحرية الكلمة والقول المرئية هو نتاج تطور هائل يشق الصفوف الأولى ليتوج رمزا للإعلام الرقمي المفتوح.
بدأت أزمة كبرى واجهت الصحف حول العالم بعد فقدان سوق الإعلانات لصالح المنصات والشركات الرقمية ما أظهر أثرا كبيرا في توقف صحف ورقية عالمية عريقة عن الصدور ومنها " الإندبندنت" البريطانية، مجلة "نيوزويك" الأميركية، صحيفة " كريستيان ساينس مونيتور"، وكذلك صحف عربية مثل: " السفير، والنهار، والمستقبل، والحياة" اللبنانية.
في مستهل مقالة له، ردد ليمان أسئلة من قبيل: لماذا تعج الصحافة بعدد كبير من الأشخاص سيئي السمعة والمخادعين؟ وما السبب وراء رواج وباء الصحافة الصفراء ؟ إن هذه الأسئلة تنطبق على الصحف التي تروق لها الإثارة والجريمة والفضائح والبذاءات، والصور المضحكة والكاريكاتيرات والنميمة البغيضة أو التافهة عن أشخاص أو أشياء لا تهم الجمهور. كان للصحافة حينها العديد من الأهداف: سياسية وأدبية وعلمية واجتماعية ودينية وإصلاحية ومزيج من هذا وذاك، وكان القائمون على الصحف الورقية يرونها مفيدة للمصلحة العامة.
لم يكن واردا من أجل كسب المال أن تنساق الصحافة في ذلك الوقت وراء رذائل المجتمع وحماقاته، حتى لا تزيد طين الخطايا بلة. فالصحفيون - بحسب مقال نيكولاس ليمان- يحملون بين جوانحهم حنينا أبديا لتلك القيم، ويزعجهم ما آلت إليه أحوال مهنتهم اليوم.
عندما ظهرت الإنترنت بشكلها الشعبي العام كوسيلة لتبادل المعلومات في تسعينيات القرن الماضي، اعتبرها كثير من الصحفيين بمثابة "هبة من الله"، وكان بإمكان أية صحيفة أن تتحول من نسخة مطبوعة إلى وسيلة رقمية تصل إلى أكبر عدد من القراء دون تكلفة تذكر، وتوفر عناء طباعة وتوزيع النسخة الورقية.
إن محرك بحث جيد يمكنه جذب جمهور أكبر دون الحاجة لإنتاج أي مواد صحفية أصلية مطلقا، وإن شبكة تواصل اجتماعي بمحتواها الذي أنتجه أساسا مستخدموها أنفسهم، يمكنها أن تعيد تكرار نفس العمل.
ولأن الإنترنت وسيط ديمقراطي (غير مركزي) وغير رسمي، فلا بد أن يكون لها مدونون إلى جانب المراسلين التقليديين، لكن هذا وحده ليس كافيا، إذ يتعين أن تُضخ فيها كميات وافرة من المواد بواسطة جيوش من مساهمين لا يتلقون أجورا.
لقد توصلت غوغل وفيسبوك وتويتر إلى وسيلة لربط المعلنين بزبائن محتملين على نحو أكثر فعالية وأرخص تكلفة مما كانت تضطلع به الصحف، إن نشر إعلان تجاري على صفحة كاملة كان يكلف آلاف الدولارات، بينما الإعلان الرقمي الذي يخاطب جمهورا مماثلا لا تتجاوز تكلفته عشرات الدولارات.
إن العامل المشترك الرئيس بين صناعتي النشر التقليدي والإلكتروني هو المحتوى المتميز، وهو بالتالي ما ومن سيحكم على ثبات وتطور أي موقع أو صحيفة إلكترونية .
إن المستقبل القريب جدا هو ذاك الذي يتبنى أن مفهوم الصحيفة الإلكترونية، ليس مجرد نسخة إلكترونية عن النسخة الورقية، بل عليها أن تتطور إلى بوابات إخبارية وإعلامية وترفيهية ذات شخصية مستقلة.
في الدول الهشة والمستندة إلى السلطة والهاجس العرفي الأمني، ثمة عادات لصيقة بوجود النظام السياسي والمتمثلة بما تدعى الحلول الجزئية الترقيعية، الحلول آخر لحظة، بل انساقت تلك العادات على مستوى الأفراد، فالمكابرة وعدم الإعتراف بالمشكلة تكاد تكون احدى السمات الاجتماعية لدى هذه الشعوب. فالبناية التي تشير البوادر إلى قرب انهيارها لا يتم التعامل معها ويبقى السكان فيها متشبثين بها حتى تجيء لحظة الإنهيار دفعة واحدة وتحدث الكارثة. والشارع الذي يتطلب صيانة بسيطة لكنها ضرورية لتفادي كوارث مرورية، لا يتم معالجتها إلا بعد وقوع الكارثة. والمرض الذي يبدأ الفرد يشعر به لا يتم الاعتراف به إلا بعد أن يستفحل ويصبح مزمنا لا حل ولا علاج له. أذكر ذات لقاء صحفي مع مدير مركز الحسين للسرطان أنه قال: مشكلتنا مع المصابين وأعداد الذين يتوفون ولا ينفع معهم أي علاج كيماوي أو نووي أو دوائي أو وقائي، لأن الغالبية تحضر إلى المركز بعد أن يكون المرض وصل إلى الدرجة الثالثة واكثر وهي مرحلة يكون فيها السرطان قد انتشر وامتد وسيطر على أعضاء الجسم بما يجعل من المستحيل أي جدوى لأي علاج معه.
كذلك الأمر مع المركبة التي يبدأ صاحبها سماع أصوات نشاز تظهر وجود خلل ما، لكنه يواصل ركوبها إلى أن تتعطل تماما وربما يكون العطل قد أصبح خطيرا جدا بعد أن كانت إمكانية الإصلاح في البداية واردة وبكلفة بسيطة .
بل يتعدى الأمر إلى داخل المنازل والعائلات، حيث الحلول السهلة الجاهزة التي تعمل كالمخدر للإحتقان المخفي إلى أن يصل لنقطة الإنفجار الكبير بما يكفي لنسف العائلة.
هكذا هي الحياة بالتأجيل، وهي تنساق أيضا على الحكومات التي أطلق عليها حكومات " ترحيل الأزمات " خاصة في ظل قصر أعمار الحكومات، فتميل الحكومة إلى عدم المواجهة ومعالجة الحالة المرضية، وتقوم بالتسويف إلى أن تنتهي فترتها فترحل الحكومة وترحل معها المعضلة للحكومة التي تليها وهكذا.
في الإعلام الأردني ، الصورة ليست بعيدة عن المكابرة والتسويف وترحيل الأزمات، لقد بدأنا قبل خمسة عشر عاما، نسمع عن وجود مشاكل مالية وعجز متنامي وبطالة مقنعة وترهل وظيفي ومحسوبيات في توزيع المناصب والمكاسب واجتهادات على هيئة الفزعات، وفي كل مرة تكبر المشكلة ويزداد العجز وتتلاشى آفاق أية حلول ممكنة.
من تولى إدارة الصحف في السنوات الأخيرة لم يفكروا في إيجاد حلول للمشكلة بل ذهبوا إلى الحكومات بحثا عن الدعم، ثم الاقتراض لحل المشكلة التي تفاقمت بفعل الديون مع تراجع الإعلانات في الصحف الورقية التي هجرها القارئ والمعلن معا.
إدارات الصحف لم تسلم القيادة لأناس لديهم رؤية ولو محدودة. فهم يطردون أصحاب الخبرة الذين يفكرون خارج الصندوق لحساب موظفين بيروقراطيين.
كان يجب على الصحف أن تعرف منذ وقت طويل أن الناس لن يدفعوا مالا مقابل نفس الأخبار التي قرؤوها بالأمس على هواتفهم مجانا، وكان على إدارات الصحف أن تكتفي بنشر جميع الأخبار العاجلة على نسختها الإلكترونية، بينما تقدم للقارئ في صباح اليوم التالي محتوى مختلفا تماما عن المحتوى الإلكتروني.
ان السبب في محنة الصحافة الورقية متعدد الجوانب وهو لن يخرج عن الأسباب التالية: الإنترنت وما تمتاز به من سرعة في نقل الأخبار، تراجع الدخل من الإعلانات، الإدارات التي لم تستطع المواءمة بين الورقي والإلكتروني ولم تكن مستعدة لترك مكانها لمن يملكون الحل، وبقيت تنفق وتتوسع رغم معرفتها تماما أن الإيرادات في تراجع مخيف.
لم تعد الصحف الورقية مصدرا للمعلومة ناهيك عن أن تكون مصدرا للأخبار العاجلة أو الطارئة، ولم تعد أيضا مصدرا للترويج والتسويق الدعائي، لم تعد مصدرا لأخبار النعي والوفيات، لم تعد مصدرا للترفيه والتسلية، لم تعد مصدرا لأخبار المجتمع ، للرياضة، للثقافة، ناهيك عن أنه تلاشى أي دور أو مهمة فكرية لها.
لم يكن يخطر ببال أحد من المعنيين بالإعلام عام 2000 أن يكون الإنترنت من بين أكبر التحديات التي ستواجهها الصحف الورقية.
يرى أحدهم أن الصحف الورقية الأردنية "مدجّنة"، واعتادت في محتواها الصحفي على حشد الآراء خلف قرارات الحكومة، معبرا عن ذلك بأنها " تاريخيا كانت تنام في أحضان الحكومات"، والمواطن الغارق في البحث عن تأمين مستلزماته اليومية، لن يدفع قيمة صحيفة لا تمثله ولا تتحدث عن مشكلاته وهمومه.
هناك من يرى أن البقاء سيكون للنشر التقليدي مع النشر الإلكتروني عبر الاستخدام الأنجع بينهما، ويدللون على أن النشر الإلكتروني ليس مهنيا ولا توجد معايير ناظمة للعمل عليه، وهو ساحة واسعة للتضليل والأخبار الملفقة التي يسعى مروجوها إلى حصد أكبر عدد من المشاهدات. كما أنه لا يتوافر جسم مهني صلب يدعم العاملين عبر المواقع الإلكترونية.
فيما يرى آخرون أن المستقبل فقط سيكون للإعلام الرقمي القائم على فهم ومرونة واسعة جدا تجعل الفضاء مساحة للتنافس الحقيقي، فلم يعد من داع لما تدعى بالأبواب الثابتة والزوايا للكتاب، حيث يمكن للكاتب نفسه أن لا يتقيد بمواضيع محددة أو بعدد كلمات مقيدة أو بمساحة وحيز مكاني كما هو الحال على الصحيفة الورقية، فهو قد يعبر عن رأيه بتغريدة لا تتجاوز عدة كلمات، وقد يغير اسم زاويتهن وقد يسهب في موضوع لعديد من الصفحات، ويمكنه تغيير صورته الشخصية كل مرة ، وهو أيضا يستطيع أن يكون ناقلا لأخبار ومروجا لدعايات ، كما يمكنه أن يتواجد على عديد من المواقع بنفس اللغة والكلمات، أو بغيرها، وهو أيضا واحدا من الجمهور، كل هذا في وقت واحد.
إن الإعلام الورقي الأردني لن يستطيع إكمال السنة هذه والسنة التي تليها بذات الذهنية والعادات المتبعة في إعداد النشرة التقليدية، واعتبار الإنترنت مجرد نسخة إلكترونية للنسخة الورقية، وإبقاء جيوش العاطلين عن العمل كموظفين لا لزوم للغالبية منهم. هذه وغيرها ستسرع في إعلان نهاية الإعلام الورقي الأردني.