شريط الأخبار
الطاقة والمعادن: تعرفة بند فرق أسعار الوقود صفر تثبيت اسعار المشتقات النفطية لشهر كانون أول بالصور...الملك يستقبل المفوض الأوروبي لشؤون التوسع والجوار 24 وفاة و 4977 اصابة جديدة بفيروس كورونا في الاردن طقس دافئ نسبيا الثلاثاء الصحة: نتمنى أن يكون “أوميكرون” مرحلة عابرة قطر تعيد الاردن ضمن «القائمة الحمراء» النقابات تنفي علاقتها بتنظيم مهرجان للتضامن مع الأسرى والشعب الفلسطيني الصين تعلن انفتاحها على تعزيز التعاون العالمي ضد الأوبئة الاتحاد من أجل المتوسط يؤكد أهمية الوصاية الهاشمية ولي العهد يزور معسكر النشامى في قطر السفير الكويتي في الأردن يؤكد الالتزام بدعم انشطة (اونروا) ومساندتها كفيف أردني حفظ القرآن الصحة تعلن مراكز التطعيم الثلاثاء الخرابشة: الموجة الحالية قد تكون أشد من سابقتها قبيلات: 2118 إصابة بين طلبة المدارس الاثنين حقيقة اكتشاف معلومات عن امرأة ثرية في البترا ميسي يحقق الكرة الذهبية الملك يزور قيادة المنطقة العسكرية الشرقية " تمريض "عمان الأهلية تشارك بمستشفى الاستقلال بفعالية حول المضادات الحيوية

د. محمد علي النجار يكتب:

ماذا فعل صديقي عندما كان وزيرًا؟!

ماذا فعل صديقي عندما كان وزيرًا
لم يخبرني بأنه سيزورني إلا عندما كان في طريقه إليّ ... وفي الحقيقة .. لقد كنت سعيدًا بزيارته ... هو صديق قديم يبادلني المحبة والاحترام ، والإخلاص والوفاء ... عاقل .. بعيد النظر ... ما أن انتهيت من إعداد الشاي حتى كان يدلف إلى منزلي ..  
 
         
ومثل كل زيارة بدأنا بالديباجة المعهودة بالسؤال عن الصحة والأولاد ، والحال والأحوال ، واستعرضنا ما يدور من أحداث حولنا ... صمت صديقي برهة ... وضع كوب الشاي أمامه ... ابتسم .. ثم توجه إليّ قائلاً: هل تعرف ماذا فعلت عندما وجدت نفسي وزيرًا؟ .. صدمني للوهلة الأولى .. فبالرغم من علاقتنا الطويلة والوطيدة ، لم أعلم قبل هذه اللحظة أنه كان من أصحاب المعالي الوزراء ، وفتحت فاهي لأسأله: متى؟ وكيف؟ ، إلا أنني حمدت الله على أنه لم يلحظ رغبتي في السؤال ... إذ لا داعي لأنْ أحرج نفسي أمامه بعدم معرفتي بالأمر ، وعدم اهتمامي بأخباره ، وأنا أقرب الأصدقاء إليه ، وقلت في نفسي ليس هناك ما يمنع أن يكون وزيرًا في وقت ما ، ولم أعلم بذلك ، وأنا الذي غاب عن الوطن السنوات الطوال. ثم قد تكون فترة وزارته قصيرة ، فلم تتهيأ لي الفرصة خلال هذه الفترة ، للاطلاع على إنجازات صديقي الوزير!!.
 
 
لم يمهلني صديقي المتحمس .. قال: فور استلامي الحقيبة الوزارية ، لم انتظر لليوم التالي ، فأنت تعلم أن وزاراتنا كغيرها في الدول النامية لا تدوم طويلاً ، فقد يطول عمرها فيكون تسعة شهور بمدة الحمل ، وربما أيامًا بعمر الخداج ، وإن طال فعامين بسن الرضاع ، لذا خير البر عاجله ، كنت أريد أن أنجز شيئًا قبل رحيل الوزارة.    
أول عمل قمت به يا صديقي ، هو تنازلي عن كل المزايا والإعفاءات التي قد تمنح لي كوزير ، ثم التخلي عن كل الكماليات التي لا ضرورة لها ، وإخراجها من مكتبي .. بعدها قمت بجولة سريعة في مبنى الوزارة ، فوجدت المكاتب تتكدس بالموظفين ، مما يشير إلى وجود بطالة مقنَّعة ، فأحصيت عدد الموظفين ، فوجدت العدد يزيد عن حاجة العمل الحقيقي ، فقمت بعد التعرف على إمكاناتهم ، بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، وأمرت من خلال التعميم الأول بنقل العدد الزائد - دون النظر في الأسماء أو الانتماء - إلى دوائر وإدارات لخدمة المواطنين ، تعاني من عجزٍ في الموظفين.
 
 
وتابع صديقي قائلاً: هناك أعداد من الموظفين لا يشعرون بالانتماء للوظيفة ولا للمكان ، فكان لا بد من وضع الأمور في نصابها ، فأصدرت التعميم الثاني الذي يحدد ساعات الدوام الرسمي ، والتأكيد على الالتزام بها ، أما التعميم الثالث، فقد أكدت فيه على جميع الموظفين بضرورة المحافظة على أملاك الوزارة ، وعدم إهدار مقدرات الوطن ، إذ يُمنع استخدام سيارات الوزارة في غير العمل الرسمي ، وعدم الإفراط في استخدام الدبابيس بأنواعها ، ومنع أخذ الموظف لأي كمية من الأوراق بجميع أحجامها للبيت ، لاستخدامه أو استخدام غيره في غير العمل الرسمي ... ابتسمتُ وقاطعتُ صديقي قائلاً: حبَّكتها أكثر من اللازم يا صديقي .. ليس الأمر مهمًا إلى هذا الحد!! .. فانبرى صديقي يدافع عن نفسه بطريقته التي أعهدها ، وسألني على الفور: كم عدد الموظفين في الأردن حسب توقعك؟ قلت: ممكن مئتي ألف .. قال: فليكن النصف .. مئة ألف ، واستطرد شارحًا .. لا تستصغر الأمر يا دكتور ، فلو استخدم كل موظف دبوسين فقط ليعبث بأسنانه ، لخسرت الدولة في يوم واحد مئتي ألف دبوس ، وفي الشهر ستة ملايين دبوس ، وفي السنة اثنين وسبعين مليونًا ، فكم يمثل هذا الرقم من علب الدبابيس؟ وكم ثمنها الذي تدفعه الدولة دون فائدة؟! أما الورق ياعزيزي ، فلو أن كل موظف من العدد القليل الذي ذكرناه ، استخدم ورقتين يوميًا ؛ ليدوّن عليها مصروفاته ، وديونه وأقساطه ، وماذا سيفعل اليوم ، وماذا سيشتري ، وكم بقي على نهاية الشهر ، وكم تبقى من راتبه؟ ، ثم بدأ يرسم ويخطط ويمزق ليملأ أوقات فراغه أثناء الدوام ، فإن مئتي ألف ورقة ذهبت هباء منثورًا كل يوم ، أي ستة ملايين ورقة في الشهر ، أي ما مجموعه اثنان وسبعون مليون ورقة في السنة ، وهذا يعني مئة وأربعة وأربعين ألف رزمة ورق ، فلو أضفنا لها ما معدله عشر ورقات يأخذها الموظف شهريًا لأبنائه - وهي عادة روتينية - لاستخدامها في البيت ، لوصل عدد الأوراق إلى اثني عشر مليونًا ، وهذا يعني أربعة وعشرين ألف رزمة ليصل الاستخدام العشوائي الذي يبدو بسيطًا يا دكتور إلى ما مجموعه مئة وثمانية وستين ألف رزمة ورق ، أي بتكلفة سنوية تبلغ أكثر من نصف مليار دينار لصنف واحد ، وقس على ذلك يا عزيزي: الإسراف والتبذير والاستخدام السيئ في بقية الأصناف ، من ماء وكهرباء وأدوات نظافة وتنظيف ، وضيافة ، وبترول واستهلاك سيارات ، وإهدار للوقت ، وضعف في الإنتاج !!.
 
 
سألت صديقي: وكيف سارت الأمور بعد ذلك؟ صمت قليلاً .. وبدا وكأنه يتذكر شيئًا ثم قال: انتظم العمل في مبنى الوزارة مع وجود تذمر خفي من بعض الموظفين الذين لم يتعودوا الالتزام ، وكانت التعليمات الجديدة غريبة عليهم ، ورأوا أنها قيدتهم ، إلا أن وجود عدد من الموظفين الملتزمين في أدائهم ، والمخلصين في عملهم ، والذين رأوا في الوضع الجديد إنصافًا لهم ، أمام عدد من زملائهم المتسلقين ، ساهم في نجاح سير العمل ، بحيث اعتمدتُ على عدد منهم ، ثم بدأت جولاتي على الدوائر والإدارات التابعة للوزارة ، والتي سبق أن وصلتهم التعليمات تعميمًا بعد تعميم ، لتنظيم سير العمل ، وأكدت فيها على ضرورة العمل والالتزام بها.
 
 
ومضى صديقي الوزير قائلاً: ولما كانت هذه الدوائر والإدارات في خدمة الجمهور ، فقد كانت جولاتي تبدأ في الصباح قبل الدوام الرسمي ، وقتها أصبت بصدمة ، فلم أتوقع أن يصل المراجعون قبل الموظف ، ليجلس المواطن في انتظاره ، جلست أراقب حيث بدأ الدوام الرسمي ، وما تزال بعض المكاتب خالية من الموظفين ، اصطحبت المراسل ، وطلبت منه إغلاق المكاتب الخالية ، مكتبًا بعد الآخر ، بما في ذلك مكاتب بعض مديري الأقسام .. وصلتُ إلى أحد المكاتب الخالية ، وقد امتعض وجهي ، فشعر المراجعون أنني أحد المسؤولين في الدائرة .. فبدأوا بالشكوى ، أحدهم معلم له معاملة يريد أن ينهيها حتى لا يتأخر عن مدرسته ، ويغيب عن حصصه ، وآخر جاء منذ أيام ولم يستكمل معاملته ، بسبب غياب الموظف ، وجاء اليوم ليكملها وها هو ينتظر الموظف الذي لم يصل إلى الآن ... سيدة تقف قرب الباب رغبة منها في إنهاء معاملتها قبل غيرها ، ثم تجرأت وبدأت تشتكي ، فهي تعمل ممرضة ، والاستئذانات ممنوعة في المستشفى بسبب ضغوط الجائحة ، ومنذ عدة أيام تراجع الدائرة لإنهاء معاملتها ، وتريد أن تذهب لدوامها دون مزيد من التأخير .. في هذه اللحظة وصل أحد مديري الأقسام بعد نصف ساعة من بدء الدوام ، وجد مكتبه مغلقًا ، فجاءني وألقى التحية ، وما أن سمع المراجعون (صباح الخير معالي الوزير) حتى ارتفعت أصواتهم بالشكوى والتذمر ، أخذت بيد المدير وانتحيت به جانبًا ، وسألته: كم موظفًا في قسمك؟ قال: عشرة موظفين.
 
 قلت: أين هم؟ قال: هناك ثلاثة موظفين يأتون كل يوم مبكرين ، والبقية ستصل تباعًا ، قلت: إذًا هم لا يقومون بعملهم كما يجب ، ولا يؤدون واجبهم كاملاً ، ولكنهم يستلمون راتبهم غير منقوص .. أليس الخيل من خيالها يا سعادة المدير ، لو أنك تبدأ دوامك قبل موظفيك ، وتحاسب المقصر ، وتكافئ المخلص ، هل كان سيتأخر هذا العدد من موظفيك؟... ما سبب تأخرهم؟ قال المدير: أحدهم يوصل أولاده للمدرسة .. وآخر يفتح متجره وبعد أن يطمئن على دوام موظفيه يحضر ، وثالث ... سكت ثم قال: هؤلاء يامعالي الوزير يتأخرون بتوصية من فوق ، ولا أستطيع الاعتراض .. ابتسمتُ وقلت له: وأنت ، هل تتأخر بتوصية؟!! ...
 
 ابتسمتُ... وابتسمَ صديقي ، واستكمل حديثه قائلاً: كلفت أحد المديرين القدامى المتميزين الذين أعرفهم في الدائرة منذ سنوات ، كلفته بإدارة المشهد ، وتحريك الموظفين بين المكاتب لتسيير وتيسير أمور المراجعين ، والإشراف على إنجاز معاملاتهم ، في الوقت الذي كنت فيه أعقد اجتماعًا مع مديري الأقسام ، بمن فيهم من حضر من المتأخرين ، وتلخصت رسالتي خلال الاجتماع بلوم المقصرين ، والإشادة بالمخلصين ، وطلبت منهم أن نكون جميعًا عند حسن ظن سيد البلاد فينا .. وأن الوطن يستحق منا الإخلاص والتضحية ، وأكدتُ أن هناك بعض الترتيبات التي ستساعد في رفع الأداء ، وتساهم في تحسين تقديم الخدمة للمواطنين ، وأنه لا بد من التطوير على طريق الإصلاح ، وأن هذا يستدعي تعاون الجميع ، مؤكدًا على أن جميع الموظفين بجميع درجاتهم سواسية ، وأن الأفضلية لمن يعمل ، وأن المفاضلة والترقية تقوم على حب الوطن والإخلاص في العمل ، والدقة في الإداء ، والمقدرة على الإبداع والابتكار ، ولا مكان للواسطة والمحسوبية ..... 
 
 
جمعت أوراقي وقصاصاتي وملحوظاتي ، وركبت سيارتي القديمة في طريقي لمكتبي في الوزارة ، وأنا أُمنّي نفسي بأن أستطيع وضع التصور المناسب وفي أسرع وقت ، لخطة عملية واقعية لتنظيم العمل ، وتحسين الأداء في الدوائر والإدارات التابعة لوزارتي ، حتى لو كان هذا على حساب وقتي وصحتي. وبدأت أفكر في تشكيل لجنة استشارية ، من داخل الوزارة وخارجها ، تعينني في وضع خطة للسنوات العشر المقبلة ، أعمل في ضوئها ، وأنفذ ما فيها ، وتظل لمن سيأتي من بعدي ...                                  
وصلتُ المبني الذي كنت أستمتع بصعود درجاته للطابق الثاني ، دخلت مكتبي متأبطًا ملفاتي وأوراقي ... والأفكار الإيجابية بعد جولتي تتزاحم في رأسي ، فإذا بدولة رئيس الوزراء يتربع على مقعدي .. 
تغير وجه صديقي الوزير عندما ذكر دولة الرئيس ، فسألته: وهل وجوده كان غريبًا؟ قال صديقي: الغرابة ليس في وجوده ، بل في تجهمه ، وما قرأت على صفحة وجهه من الكلام ، إذ يبدو أن سيلاً من المكالمات وصلته قبل أن أصل مكتبي ... ألقيت عليه تحيتي ، فَرَدَّ عليّ بصوت خافت أجَش ، مما أكد لي ما ذهبت إليه من الظنون .. رفع رأسه ثم قال: أراك غير ملتزم بالدوام في مكتبك ... كثرت الشكاوى عليك يا معالي الوزير من موظفيك .. ومن غيرهم!! .. شعرت وقتها بدوار .. لم أعد أسمع دولته ، ولم أعد أرى أمامي سوى صورة جدتي عندما كانت تعنف جدي على إخلاصه في وظيفته وهي تقول له: "لويش حامل السلم بالعرض ... اشتغل مثل غيرك ... ما أدري لويش متعب حالك" ... انتبهت على صوت دولة الرئيس وهو يخاطبني: يا معالي الوزير ... أرجو أن تقوم بتقديم استقالتك بنفسك ، حتى جماعتك ما يزعلون علينا ونخسرهم ... 
 
 
نظرت في وجه صديقي الوزير ، وشعرت بالحزن للموقف الصعب الذي مرَّ فيه ، وهنا أيضًا تأكد لي أن ما اعتقدته كان صحيحًا ، وأن سبب عدم علمي بأنه كان وزيرًا .. أنه لم يُعَمَّر في منصبه سوى أيام ... قلت لصديقي: وماذا كان ردك على دولة الرئيس؟ قال صديقي: لا شيء ... قلت له: غدًا صباحًا ستكون الاستقالة أمامك غير مأسوفٍ عليها ، وخرجت لا ألوي على شيء ، وتوجهت مسرعًا باتجاه الدرج ، وقد أظلمت الدنيا في وجهي ، ولم أعد أرى أمامي شيئًا ، وما إن وضعت قدمي على أولى الدرجات ، حتى تعثرت قدمي .. حاولت أن أحافظ على توازني ، لم أتمكن ... وقبل أن أسقط على الأرض ... صحوت من نومي!!!.
 
 
نظرت إلى صديقي .. تبسمتُ .. وقلتُ له: حمدًا لله على سلامتك .. اشرب الشاي قبل أن يبرد ...