شريط الأخبار
عمان الاهلية تنعي شقيق رئيس مجلس الأمناء دولة عبدالكريم الكباريتي عروض مسرحية تنطلق على مسرح اسامه المشيني بحلته الجديدة " تجربة قيادة تفوق التوقعات معسيارة ORA الكهربائية الجديدةكليا من جريت وول هافال. وزير الخارجية: توجه لفتح قنصلية في اسطنبول لتسهيل خدمة الأردنيين الدولار يهبط ويقترب من أدنى مستوى له منذ 8 أشهر تدهور مركبة شحن على الطريق الصحراوي باتجاه العقبة د. الحوراني يحذّر من انسحاب الجامعات الاردنية من التصنيفات العالمية.. ويوضح أهميتها بالتفاصيل ... القوات المسلحة تفتح باب التجنيد عمان الأهلية توقع مذكرة تفاهم مع شركةCommercial Group FX جلسة تعريفية في عمان الأهلية بجائزة الحسين بن عبد الله الثاني للعمل التطوعي طلبة كلية الحقوق في عمان الاهلية يزورون محكمة الجنايات الكبرى بنك الإسكان يضيف خدمة حجز الرحلات مع "اوبر" وكريم" من خلال تطبيق إسكان موبايل شركة البستان لادارة وتطوير العقارات تنعى والد المدير العام لشركة قونية لتطوير وإدراة العقارات حريق محل تجاري في الزرقاء...والأمن يحقق تفاصيل مروعة لطعن رجل زوجته وطفلتيه في عمّان بالأسماء...الفراية يجري تشكيلات إدارية في الداخلية توحيد التقويم الجامعي في الجامعات الرسمية الأردن يستدعي السفير الاسرائيلي بعد منع السفير الأردني دخول الاقصى مشاركة بمعرض عالمي وأنشطة متعددة للعمارة والتصميم في عمان الاهلية أحمد عنبوسي يكتب:نفتقدك!!

د. محمد علي النجار يكتب:

بناية اللويبدة ... تحية لرجال الدفاع المدني

بناية اللويبدة  تحية لرجال الدفاع المدني

د. محمد علي النجار


 

تمت إزالة الأنقاض التي خلفها حادث اللويبدة .. وانقشع الغبار الذي غطى المكان طيلة أيام .. ولكن ما تزال الأحزان تسكن القلوب ، وتخيم على المكان .. رحم الله شهداء اللويبدة وأسكنهم فسيح جناته ، وألهم ذويهم الصبر والسلوان ، وعظم الله أجرهم وأحسن عزاء الوطن وعزاءهم في هذا المصاب ، وشفى الله من أصيب وما زال يتعافي من إصابته .. وجعل الله هذه الكارثة آخر المحن ، ودرسًا يستفاد منه ، وعظة (لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد).

باشرتُ في كتابة هذا المقال بعد وقوع الحادثة مباشرة .. ثم توقفت حتى تنجلي الغبار وتتضح الأمور ، وقد رأينا كل الجهات الرسمية والشعبية تفاعلت مع الحدث ، ابتداء من جلالة الملك حفظه الله ، وولي عهده الأمين ، حيث تابع جلالته باهتمام ما يجري ، وأكد على ضرورة بذل أقصى الجهود لإنقاذ المحاصرين تحت الأنقاض ، وتوفير كافة المساعدات والرعاية الطبية للضحايا ، وكان لرئيس الوزراء ، وكذلك وزير الداخلية وغيرهم من المسؤولين حضور في المكان ، ودعم للجنود المجهولين من كوادر الدفاع المدني ، والأمن العام ، وأمانة العاصمة وجميع المشاركين في عمليات الإنقاذ.

وشاءت الظروف أن أستضيف قبل أسبوع من الآن وبالتحديد صباح يوم الأحد الماضي ، عددًا ممن تربطني بهم علاقة النسب ، الذين كانوا يتابعون الحدث عن قرب وأيديهم على قلوبهم ، حيث فقدوا في هذه الحادثة أربعة من أقربائهم. وقد شهدوا لكوادر الدفاع المدني ، والأمن العام ، وجميع العاملين في الموقع بالتميز والحرفية العالية ، والمهنية والخبرة ؛ بحيث ما من فتحة في جدار أو سقف أحدثها رجال الدفاع المدني ، إلا أنقذوا من خلالها واحدًا أو أكثر من المحاصرين من تحت الأنقاض ، فتحية شكر وتقدير لهم على جهودهم التي بذلوها على مدار الساعات الحرجة.

وكالعادة ارتفعت الأصوات فور وقوع الحادث ، تبحث عن (أسد) فداء ليقال من منصبه ، أو يستقيل بسبب المسؤولية عن وقوع الحادث!! مما جعلني أتذكر استقالة معالي وزير الصحة في أعقاب حادثة مستشفى السلط ، حتى خُيل إليّ أن من مهام الوزير أن يحمل أسطوانات الأوكسجين في سيارته ، ويوزعها على المستشفيات!!.

إن ما يقع في الأردن من حوادث يقع في كل دول العالم ، سواء أكانت انهيارات مبانٍ ، أو انهيارات أرضية ، وفيضانات وأمطار وسيول ، وزلازل وحرائق تؤدي إلى عشرات بل مئات الضحايا .. إلا أن هذا لا يبرر وقوع بعض الحوادث ، التي كان بالإمكان منعها ، أو كانت نتيجة تقصير أو إهمال.

إن عمارة اللويبدة لم تكن الحادثة الأولى من نوعها ، ففي الزرقاء وبالتحديد في منطقة الغويرية ، انهارت قبل سنوات بنايتان في حادثين منفصلين ، ونتج عنهما وفيات وإصابات .. وفي جبل الجوفة انهارت عمارة أدت إلى خسائر في الأرواح والممتلكات رغم التحرك السريع لرجال الدفاع المدني ، ووجودهم ... وجهودهم.

لقد مررنا بعدد من الحوادث المحزنة كحادثة البحر الميت ، ثم مستشفى السلط ، إلى جانب حادثة ميناء العقبة ، فانهيار اللويبدة ، ثم انهيار جسر المشاة على طريق المطار .. وقد ذكرتُ قبل قليل إننا لسنا بدعًا بين الدول ، فالحوادث لا تتوقف ما دام العالم يتحرك .. ولكن يجب علينا أن نأخذ الدروس والعبر ، ونستفيد من هذه الحوادث ، وهنا يحضرني قول الفيلسوف (هيجل): "الناس في الحقيقة لا يتعلمون من التاريخ". ونحن لا نريد أن نكون كذلك ، بل نريد أن نتعلم من تجاربنا ، بحيث لا تتكرر عندنا الأخطاء.

عمارة اللويبدة تم ترخيص بنائها سنة 1956م كتسوية وأرضي... وبعد ثلاثين سنة تم ترخيص بناء الطوابق الثلاثة الأخرى .. فهل تم التأكد – وقتها - من صلاحية البناء القديم ، وطبيعة الجدران إن كانت دكة اسمنتية أو أعمدة؟ هل تأكدت الجهات المعنية من وجود الأعمدة الكافية الموزعة داخل المخطط ، التي يمكن أن تحمل هذه الأحمال الجديدة؟!.

صحيح إن البناء قديم ، لكن قدمه لم يكن السبب في انهياره ، ففي عمان وجبالها بنايات أقدم منها ، وما تزال متماسكة رغم بنائها التجاري ، الذي يراعي الحد الأدنى من تسليح الحديد ، وكميات الإسمنت ، وتموين الطوب المستخدم ، وغير ذلك من سلوكيات مرفوضة ، ولكنها موجودة في عالم البناء وبكل أسف. لذا لا بد من طرح بعض الملحوظات:

1- يبدو أن جدران المبنى كانت عبارة عن (دكة) إسمنتية دون أعمدة ، أو أعمدة قليلة لا تفي بالمطلوب.

2- إن انكسار السقف في كل طابق من وسطه وانهياره بهذا الشكل ، يدل على أن البناء يفتقر للأعمدة الداخلية ، وأنها كانت تستند بشكل رئيس على الجدران الداخلية ، وإلا لماذا انطبقت السقوف فوق بعضها بهذا الشكل!! ، ولو كانت هناك أعمدة داخلية كافية ، لكانت هناك فجوات وثغرات بفعل وجود الأعمدة التي كان يمكن أن يظل بعضها يحمل أجزاء من البناء ، وتركت فراغات ومتسعًا للضحايا ولرجال الإنقاذ.

3- إن جدران المبنى (الدكة) أصبحت لقدمها غير متماسكة ، بسبب العوامل الطبيعية وبفعل الحرارة والرطوبة ، بحيث يمكن فصل الرمل والإسمنت عن (الحصمة) بسهولة ، مما جعل البناء ضعيفًا .. يمكن أن يظل صامدًا ما لم تتدخل ظروف خارجية تؤهله للانهيار.

4- لقد تم العمل في المبنى بهدف الاستفادة من الطابق السفلي ، ومن المتوقع أن يكون العمال قد غيروا تقسيم الغرف ؛ بهدم حوائط داخلية ، وإقامة أخرى ، وهي في الغالب حوائط استنادية داخلية ، مما أثر بالفعل على الطوابق العليا بظهور تصدع وتشققات مختلفة اشتكى منها السكان ، وهو مؤشر على خطورة الوضع.

5- كان المفترض من المقاول ألا يغامر بالعمل هدمًا وبناءً قبل أن يتأكد من نتيجة تدخله في تغيير الواقع ، ليس في الطابق العلوي ، بل في طابق أرضي يحمل فوقه عدة طوابق ، وكان عليه أن يعالج الأمر ، ويُقيّم الوضع وبأقصى سرعة عندما تم اكتشاف التصدعات والشقوق في الطوابق العليا ، لا أن يهمل ذلك.

6- لقد تصادف امتلاء خزانات الماء فوق المبنى مما زاد الأوزان التي يحملها البناء ، والتي تقدر بثلاثين طن من الماء!! مما ساهم في عجز البناء عن حملها نتيجة التغيرات الأرضية في المبنى.

7- ولما كان المقاول أو المهندس أو العامل ابن بيئته ، فإن البشر يتفاوتون في إخلاصهم وضمائرهم ، ومن هنا يجب على نقابة المهندسين ، وأمانة العاصمة ، والجهات المعنية الأخرى وضع الآليات الكفيلة بإلزام كل طرف بأداء العمل على أكمل وجه ، من خلال المتابعة الحقيقية ، مع وجود المهندس المشرف قبل وبعد وأثناء صب الأعمدة والأسقف ؛ لما في هذه المراحل من مجال لتلاعب بعض المقاولين ، في كميات وأعداد الأسياخ الحديدية بعد كشف المهندس ، مما يعرض البناء للخطر آجلاً أو عاجلاً ، وقد يدعم هذا الادعاء مني ، ما جاء في اجتماع مجلس البناء الوطني ، بجلسته التي عقدها مساء يوم الخميس الماضي ، حيث ذكر أنه تمت منذ بداية العام الحالي زيارة 1420 مشروعًا في مختلف مناطق المملكة ، تم خلالها ايقاف 765 مشروعًا ، وتصويب 535 ، وما زال 230 مشروعًا قيد التصويب!!. وهذا يعني أن أكثر من 50% من المشاريع لم يلتزم المقاولون - رغم وجود المهندس المشرف - بالتعليمات والشروط المنظمة للعمل!! .......

8- انهارت عمارة اللويبدة عصر يوم الثلاثاء ، والغريب أن فرق الانقاذ التي بذلت جهودًا تستحق الشكر والتقدير ، قامت بالتعاون مع كوادر أمانة العاصمة يوم الأربعاء ، بفتح طريق يؤدي للعمارة المنهارة. والسؤال هنا: لماذا لم يتم فتح هذا الطريق في أول ساعة من انهيار المبنى؟! ففي مثل هذه الحوادث يلعب الوقت دورًا مهمًا في إنقاذ الأرواح ، وفيها تكون فرق الإنقاذ في سباق مع الزمن لإنقاذ أكبر عدد ممكن من الضحايا.

9-يفصل بين المبنى المنهار والطريق العام مبنى (منزل قديم) وليس بناية ، فلماذا لم يقم أحد المسؤولين باتخاذ قرار بهدم البناء ، مما يفسح المجال أمام عمل الآليات بحرية ، وإفساح المجال أمام فرق الإنقاذ بالعمل من عدة زوايا ، وعده جهات من أسفل البناء وأعلاه ، ولم يكن الأمر يحتاج غير مفاوضة صاحب البناء على تعويضه ، أو إعادة بنائه ، فهدمه مصلحة عامة ، وإن إنقاذ الأرواح الإنسانية خير من المال ، وإذا كانت الجهات الرسمية تجد صعوبة في التعويض أو البناء ، فإن ذوي الضحايا ، وأهل الخير وهم كثر ، قادرين على إعادة بناء البيت أفضل مما كان عليه. 

10- ولما كان كل عمل إنساني لا يخلو من الخطأ أو القصور ، وإذا كنا نسعى دائمًا نحو الكمال ، فلا بد أن نستشعر بأنه كان بإمكاننا أن نقدم ما هو أفضل ، وأنه بالرغم مما بذلناه من جهود ، وحققناه من إنجازات ، فبإمكاننا أن نكون أكثر إنجازًا وإبداعًا ، وهذا يتطلب منا تقييم وتقويم ما قدمناه وأنجزناه ، لنتعرف جوانب القصور ، فنتجنبها ، ومواطن النجاح فنعززها.

11- عمارة واحدة أخذت منا هذا الوقت ، وهذا الجهد ، بمشاركة مئات من رجال الإنقاذ الذين بذلوا كل ما في وسعهم ، ولكن كان أمر الله ... فتوفي أربعة عشر شخصًا ، وأصيب عشرة آخرون ، وإذا كنا نثمن عاليًا جهود حميع النشامى من فرق الإنقاذ ، إلا أن ذلك لا يمنع أن نقول: إن العدد كان كبيرًا ، وأنه كان بالإمكان أفضل وأسرع مما كان .. فماذا لو تعرضنا لحادث أكبر لا سمح الله خاصة وأن بناياتنا وبيوتنا معظمها تقف شامخة فوق الجبال ، أو تتكئ وتستند على سفوحها ، وغير قليل منها تصل إليها عبر عشرات الدرجات ، نزولاً أو صعودًا ، فكان الله في عون رجال الدفاع المدني ، الذين يحملون على كاهلهم مسؤولية كبيرة ، للخروج من الأزمات بأقل الخسائر.

حفظ الله الأردن في أمن وأمان ، واستقرار وسلام ، أرضًا مباركة .. وشعبًا وفيًا .. وقيادة هاشمية رشيدة.