شريط الأخبار
الطاقة والمعادن: تعرفة بند فرق أسعار الوقود صفر تثبيت اسعار المشتقات النفطية لشهر كانون أول بالصور...الملك يستقبل المفوض الأوروبي لشؤون التوسع والجوار 24 وفاة و 4977 اصابة جديدة بفيروس كورونا في الاردن طقس دافئ نسبيا الثلاثاء الصحة: نتمنى أن يكون “أوميكرون” مرحلة عابرة قطر تعيد الاردن ضمن «القائمة الحمراء» النقابات تنفي علاقتها بتنظيم مهرجان للتضامن مع الأسرى والشعب الفلسطيني الصين تعلن انفتاحها على تعزيز التعاون العالمي ضد الأوبئة الاتحاد من أجل المتوسط يؤكد أهمية الوصاية الهاشمية ولي العهد يزور معسكر النشامى في قطر السفير الكويتي في الأردن يؤكد الالتزام بدعم انشطة (اونروا) ومساندتها كفيف أردني حفظ القرآن الصحة تعلن مراكز التطعيم الثلاثاء الخرابشة: الموجة الحالية قد تكون أشد من سابقتها قبيلات: 2118 إصابة بين طلبة المدارس الاثنين حقيقة اكتشاف معلومات عن امرأة ثرية في البترا ميسي يحقق الكرة الذهبية الملك يزور قيادة المنطقة العسكرية الشرقية " تمريض "عمان الأهلية تشارك بمستشفى الاستقلال بفعالية حول المضادات الحيوية

د. محمد علي النجار يكتب:

اللغة العربية ... والإصلاح

اللغة العربية  والإصلاح
د. محمد علي النحار
تعرضت اللغة العربية للكثير من محاولات النيل منها ، والتقليل من شأنها ، واتهامها بالنقص والقصور ، وما أكثر هذه الدعوات التي ألبسها أصحابها أثوابًا ، تتلون بما يناسب المكان أو الزمان الذي تُطرحُ فيه ، في محاولة لخداع مستخدمي هذه اللغة من العرب والمسلمين . فقد انتشرت هذه الدعوات التي كان يُمنّي أصحابها أنفسهم بهدم اللغة العربية ، وامتدت من مصـر إلى لبنان ، ومن الجزائر إلى الهند ، إلى أندونيسيا وغيرها من أقطار العروبة والإسلام .
إن مصدر هذه الدعوات هم خصوم الإسلام في كل زمان ومكان ، وإنَّ سِهامَ هؤلاء جاهزة لتُصَوَّبُ على اللغة كلما تهيأت الفرصة لهم ، أو وجدوا منفذًا لهم إلى لغة القرآن ، التي كانت وما تزال وستظل عرضة لهجوم المتربصين ؛ لأن لغتنا العربية هي الوعاء الذي يحتضن كلام الله سبحانه وتعالى ، وهي اللغة التي شرفها الله ، ورفعها فوق كل اللغات .
وقد اتخذ الهجوم على اللغة العربية ، أو قل على لغة القرآن ، صورًا كثيرة ، تمثلت بالهجوم على النحو العربي تارة ، وعلى الحرف العربي تارة أخرى ، ونادى هؤلاء باستخدام اللهجات المحلية ، بدلاً من اللغة الفصيحة ، ونادى أولئك إلى الكتابة بالحروف اللاتينية .. إلى غير ذلك من دعوات هدامة ، لا تعني اللغة العربية ، بقدر ما تعني القرآن الكريم ، دستور الأمة الإسلامية . وقد قاد هذه الدعوات رموزٌ من المستـشرقين الغربيين ، والمستغربين العرب ، فتصدى لهم رجالات العربية ، ووقفوا لهم بالمرصاد ، وفندوا آراءهم ، وسخروا من أفكارهم التي ترمي أولاً وأخيرًا إلى هدم اللغة ، وهدم الدين ، ولكن أنـَّى لهم ذلك ، وقد قال رب العزة في كتابه المبين : ( إنَّا نَحنُ نَزَّلنا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحَافِظُونَ ) صدق الله العظيم .
يقول (وليم جيفور دبلجراف) وهو نموذج لكثير من خصوم الأمة على مر التاريخ : " متى توارى القـرآن ، ومدينة مـكة عن بلاد العرب ، يمكننا حينئذ ، أن نرى العربي يتـدرج في سـبيل الحضارة ، التي لم يبعده عنها إلا محـمد ، وكتابه ، ولا يمكن أن يتوارى القـرآن حتى تـتوارى لغته "!!( ).
إذًا ، وكما يرى هؤلاء المتربصون ، فإن اللغة العربية ، هي المدخل الذي يعتقدون أنه من خلاله يمكن أن يقوضوا الإسلام ويحاصروه ، بهدمهم اللغة العربية ، وبناء جدار العزل بين القرآن بلغته العربية ، وبين أهله من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها .
لذا ، فلا غرابة أن وجدنا الهجوم يشتد شراسة يومًا بعد يوم على لغتنا العربية ، حيث دارت المعارك الشرسة ضد لغتنا على أكثر من محور ، ومستوى ، وصعيد .
فمن المداخل التي اقتحمها دعاة الإصلاح ، والذين أرادوا من خلالها خداع أبناء العربية ، صعوبة النحو العربي ، والدعوة إلى تبسيطه ، وهي دعوة تتسم بالبراءة في ظاهرها ، وتمتلئ بالمكر والخبث في مضمونها ، ولا أدل على ذلك من محاولات الأستاذ إبراهيم مصطفى في مصـر ، الذي كتب كتابًا بعنوان ( إحياء النحو ) بما فيه من تجاوزات ، ولمّا وجد كتابه قد فشل في إحداث ما يريد ، أخذ يدفع زملاءه من مفتشي اللغة العربية بمصر ، لكتابة ما يدعم آراءه ، فصدرت ثلاثة كتب في هذا الإطار .. واختصارًا للبحث ، وتدليلاً على سوء فكره ، نسجل له قوله: " ونحن لا نرمي من وراء هذا التيسير التهوين من علم النحو .. ولكننا نرمي إلى تأليف قلوب التلاميذ ، ولعلي لا أغضبكم إذا قلت لكم :" إنني أتمنى على الله اليوم الذي أنادي فيه بإلغاء علم النحو ، وإحراق كتبه "( ). إذًا ، فالهدف الذي وضعه إبراهيم مصطفى وأمثاله ، والغاية التي يريد أن يصل إليها ، هي إلغاء النحو العربي!!.
لقد نادى كثيرون ـــ بقصد أو بدون قصد ـــ بإلغاء الإعراب في أواخر الكلمات ، فرد عليهم الأستاذ عباس محمود العقاد ، وأوضح قيمة الحركة من فتحة ، أو كسرة ، أو ضمة في اللغة فقال: " إن الحركة مهمة في العربية كالحرف أو تزيد عليه في الأهمية أحيانًا.." ( ).
وقد شهد بروكلمان للنحو العربي ، بالرغم من كونه أحد المشاركين في الحملة على اللغة العربية ، فأنطقه الله الحق ليقول: " ولغة الشعر العربي هذه قد تميزت ميزة عظمى من الصور النحوية ، وقد بلغت من حيث دقة التعبير عن علامات الإعراب والنحو ، ذروة التطور في اللغات السامية"( ) .
لقد كانت الدعوات إلى التبسيط والتسهيل مخططًا لها في الغالب ، وجاءت بصورة عفوية في بعض الأحيان "فكان أصحاب هذه الدعوات ، ينتهزون الفرصة ، فيكررون الدعوة إلى تطوير دراسة النحو والصرف"() ، بل كثيراً ما كانت الدعوة تتجدد عن طريق مهاجمة ما أسمَوْهُ الأساليبَ العتيقةَ ، في دراسة النحو والصرف ().
وقد تذرع سعاةُ الإصلاح ودعاته في دعوتهم ، بحجة أن " الإعرابَ ثقيلٌ ، وتعدد حركات البناء أثقل … وصرف الكلمات ومنعها من الصرف تعسف ، واللغات تؤدي كل المعاني على تنوعها بدقةٍ دون إعراب ، فألا يمكن أن تكون آخرُ الكلمات في اللغة العربية ساكنة لا بنــاء ولا إعراب فيها … وأن نرد قواعدَ النحو الكثيرة المتشعبة ، إلى أصول وجيزة سهلة جامعة ، كما هو الشأن في نحو بعض اللغات السامية؟."()
فالنحو العربي كان عرضة لمحاولات الإصلاح تحت شعاراتٍ متعددة ، كان بعضها يأمل أن تكون النتيجةُ وجودَ لغةٍ جديدة ، ربما تصبحُ مع الزمن لا تربطها صلة بلغتنا العربية ، التي هي لغة القرآن ، وهذا سيؤدي بلا شك إلى ضمورها ، بل إلى اضمحلالها ، وبذا سيكون التهذيبُ ـ بعد ذلك ـ تحطيمًا ، والتيسيرُ تعقيدًا ، والإصلاحُ تخريـبــًا ، والتجديدُ إلغاءً ، وتغييرًا ، وتضييعًا. فاللغة عندما تفقدُ قواعدَها ، تصبحُ لغةً أو لهجةً عامية ، تتحكمُ فيها البيئةُ والظروف المحيطة من طبيعة ، ومكان ، وزمان ، ووسائل اتصال.
فهذا الدكتور إبراهيم أنيس في كتابه " أسرار اللغة " يقول: " إن علمَ النحو لم يكن الغرضُ من وضعه الحفاظَ على لغة العرب من اللحن … وإنما كان الغرض من وضعه التبديل والتغيير في كلام العرب … هو علم لا تربطه رابطة ، و لا تصله صلة بواقع كلام العرب ، ابتدعه النحاةُ ليغيروا ، ويبدلوا في كلام العرب ما شاءت لهم أهواؤهم"().
أما أحمد أمين ، فيرى أن سببَ الضعف في اللغة العربية ، يرجع إلى ثلاثة أمور ، لخصها بقوله:" فأما طبيعةُ اللغة ، فهي صعبة عسرة إذا قيست مثلا باللغة الإنجليزية ، أو الفرنسية ، و يكفي للتدليل على صعوبتها ، ذكر بعض عوارضها ، فهي مثلا ، لغة معربة ، تتعاور أواخرَها الحركاتُ من رفعٍ ، ونصبٍ ، وجرٍ ، وجزم حسب العوامل المختلفة ، و لا شك أن اللغةَ العربيةَ أصعبُ من اللغة الموقوفة ، أعني التي يلتزم آخرُها شكلاً واحدًا في جميع المواضع ، ومع جميع العوامل ، كاللغتين الإنجليزية و الفرنسية .. والضبط بالشكل عسيرٌ ، فلا نستعمله في الجرائد و المجلات ، و لا في أكثر الكتب الأدبية ، قديمها وحديثها"().
لقد تعرَّضَ النحو العربي إلى كثير من محاولات التيسير ، والتخفيف ، في دراسات وآراء تراوحت في تطرفها ، وتعسفها ، ومكرها ، وعلميتها ، وصدق نواياها ، واختصارًا للموضوع ، اكتفيت بما تقدم ، وتركتُ الأستاذ عباس محمود العقاد ـ وهو ممن تصدوا للرد على هؤلاء يفنّد آراءَهم فيقول: "ومن علامات الانحراف البعيد عن الوجهة ، أن يحسب المجددون أنهم ينتهون يومًا إلى كتابةٍ لا تحتاج إلى التعليم ، أو كتابة تكفي وحدها لتيسير القراءة الصحيحة ، بمعزل عن اللغة ، أو بلغةٍ خالية من القواعد و الأصول"(). ويرد على ما ذهب إليه أحمد أمين وغيره ، ليوضح أن لكل لغة طبيعتها ، وأن الانجليزية التي يرون فيها المثل الأعلى ، فيها ما يكفيها من المآخذ أيضًا ، فيقول: "أما الحروفُ فمنها ما يلفظ في اللغة الإنجليزية على خمسة أصوات كحرف (T) الذي ينطق (تاء) كما كلمة (t0) و ( ثاء) كما في كلمة (THINK) و (ذالا) كما في كلمة (THIS ) و (شينا) كما في كلمة (MENTION) .. و كذلك حرف الـ (S) الذي ينطق (زايا) في (IS) و (صادا) في (SALT) و (شينا) في (SURE) و (جيما ) معطشة كما في (PLEASURE)"() ، وذلك حسب أماكن ورودها في الكلمة .
ومن هنا نجد أن حجتهم بأن اللغة العربية معربة ، و اعتبارهم ذلك منقصة ، حجة واهية ، ولا تكفي لدعم أو تبرير الحملةَ الشرسةَ على اللغة العربية ، والنحو العربي. أضف إلى ذلك أنك إذا قلت: (You are) فإنك لا تعرف من المخاطب ، أذكر هو أم أنثى!!، أمفرد هو أم مثنى أم جمع!!.
فمن نماذج الإصلاح التي يتحدث عنها هؤلاء المصلحون ، ما نجده عند الدكتور محمد كامل حسين() ، فمن العجب ، أن نجد من يريد تعليم الطفل العربي لغته دون تعقيد - حسب رأيه - فهو يريد للطفل أن يتعلم العامية المنقحة ، فيقول مثلاً : نحن لعبنا الكورة ، وما كان حد في المدرسة ، وما جبت الكتاب معايا ... ويريد للطفل أن يكتب في حصة التعبير بالعامية المنقحة حسب تعبيره: " نحن رحنا البحر ، وركبنا المركب ، ونزلنا الماء ، وقعدنا نسوق ورجعنا تاني ، واتفرجنا على الحتت .. وبعد ما اتفرجنا ، رجعنا البيت ، وغيرنا هدومنا المبلولة واستريحنا ، ونزلنا الجنينة بعد كده " . ويزعم الدكتور محمد كامل حسين أن هذا خير في تعويد الطفل على الصدق في التعبير ، من أن يحفظ عبارات بالفصحى العالية عن ظهر قلب !!.
ومن هنا ، فعلى كل من يريد التصدي لإصلاح اللغة أن يدرك " أن اللغةَ في مختلف مظاهر حياتها ، لا تسير تبعًا للأهواء والمصادفات ، ولا وفقًا لإرادة الأفراد … ومن ثم وجب على كل من يحاول إصلاحًا لُغويًّا ، أن يَعمدَ قبل كل شيء إلى دراسة حياة اللغة ، ومناهج تطورها ، وما تخضع له في حياتها من قوانين ، حتى يتميز له الممكن من المستحيل ، ويستبين له ما يتفق مع السنة الكونية ، وما يتنافر مع طبيعة الأشياء ، و حتى تأتي إصلاحاته مسايرة لهذه الطبيعة فتؤتي أكُلهَا ، وتكلل بالنجاح " () .
بقي سؤال يطرح نفسه في ضوء لوثة أصابت بعض المتنفذين: هل الإصرار على استخدام اللغة الانجليزية في بعض الشـركات والدوائر والمؤسسات في مجتمعاتنا العربية – دون مبرر مقنع - بدل العربية ، مع جمهور عربي ربما لا يفهم معظمه غير لغته ، هل يُعد هذا الإهمال للغة العربية لونًا من ألوان الإصلاح لهذه اللغة؟؟!!.
خلال مسيرة لغتنا العربية عبر القرون ، ظهرت عشـرات ، بل مئات اللغات واللهجات عند الشعوب في أنحاء العالم ، فاندثر منها ما اندثر ، وساد منها ما ساد .. ثم باد ، وظلت لغتنا شامخة ، فما وهنت ، ولا ضعفت. إن لغةً تقوى مع مرور الزمن ، وتصمد في وجه الخصوم وتشتد ، هي لغةٌ جديرةٌ بالبقاء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.