شريط الأخبار
توقيف شخص 15 يوماً زوّر تقارير طبية لفتاة الملكية الأردنية: لم تتم الموافقة على تسيير رحلات جوية بين الأردن وسوريا البحث عن غريق في سد الملك طلال (صور) الفوسفات تؤكد عدم صحة ما تم تداوله حول التأمين الصحي للمتقاعدين الاستئناف تحكم على الوزير الأسبق هلسة بالسجن شهر وتضمينه ١٦١ الف دينار اعتصام لــ متقاعدي شركة الفوسفات "صور" الصحة: فحوصات عشوائية لمرتادي مهرجان جرش خلال جولات تفتيشية.. هذا ما تم ضبطه في الزرقاء العمل ترحل 113 عاملا وافدا مخالفا خلال 20 يوما لا مواد نفطية في السائل الاسود في فيديو البحر الميت وزير الداخلية يقرر اعادة فتح مركز حدود جابر الاربعاء 1300 باخرة تدخل موانئ العقبة خلال 2021 الصحة تنشر أسماء مراكز الجرعة المعززة "الثالثة" الاثنين " مستثمري المناطق الحرة " تحذر انهيار اجزاء من عمارة سكنية في مخيم الحسين "صور " سماوي: الالتزام بتطبيق البروتوكول الصحي في مهرجان جرش كان 100% وفد حكومي سوري يزور الأردن الاثنين صلح عمان تمنح المتهمين بقضية "اكسجين السلط"14 يوما راكان السعايدة يكشف الحقائق ويتوعد المجلس الطبي يوضح بشأن اعتماد طبيب قلب في البورد الأردني

د. محمد علي النجار يكتب:

السياحة ... والتحدي الكبير!!

السياحة  والتحدي الكبير
بعد جائحة كورونا التي ضربت العالم شرقًا وغربًا ، وبعد الإغلاقات التي طال أمدها هنا ، وقَصُرَ هناك ، وتفاوتت الإجراءات خلالها من بلد لآخر ، وبعد أن بدأ العالم يتحسس طريقه ، في محاولة للانفتاح على نفسه من جديد ، رغم الخطر الذي ما زال يمثله هذا الوباء ، وإخوانه المتحورون ، يبدو أن البشر في طريقهم للتأقلم مع الواقع ، وأن الحياة في طريقها للعودة إلى ما كانت عليه ، وأن الكثير من القطاعات والأنشطة ستتعافى ، ومنها القطاع السياحي الذي أُصيب بمقتل خلال هذه الأزمة.
 
 
 
بدايةً .. أُقرُّ وأعترفُ بأننا في الأردن لسنا بدولة نفطية ، ولكنني مؤمن بأن الله سبحانه وتعالى منَّ علينا وحبانا من الثروات ، وهيأ لنا من الإمكانات ما يغنينا عن آبار النفط ، ويعوضنا عن آبار الغاز ، لو أحسنا استثمار المقومات السياحية المتعددة والفريدة في الأردن ، بحيث تكون السياحة غازنا وبترولنا ؛ فالقطاع السياحي في كثير من الدول ، يُعدُّ رافدًا مهمًا ، بل أساسيًا للدخل القومي.
 
 
 
ولمّا كانت الأردن وجهةً سياحيةً منذ سنوات ، فإن عدد السياح الذين زاروا الأردن قبل جائحة كورونا ، وبالتحديد عام 2019 بلغ الخمسة ملايين سائح ، وهذا يعني زيادةً في الأعداد ، وتحسنًا في الدخل ، إلا أن طموحاتنا تتجاوز هذه الأرقام ، وتدفعنا للنظر إلى دول أخرى ليست بعيدة عنا ، فتركيا استحوذت على أكثر من اثنين وخمسين مليون سائح ، وأما مصر فقد استحوذت سنة 2019 كما ذكرت منظمة السياحة العالمية ، على أكثر من ثلاثة عشر مليونًا من السياح ، بإجمالي إيرادات بلغ أكثر من ثلاثة عشر مليون دولار . وقد يقول قائل: وهل تقيس الأردن بمثل هاتين الدولتين ، وغيرهما من الدول السياحية؟!.
قد يكون لهذه الدول من المقومات السياحية ما ساهم في نجاح تسويقها السياحي ، ولكن هذا لا يعني أن الأردن لا يمتلك معظم هذه المقومات ، أو المعالم السياحية المتوافرة للعديد من الدول ، بل إنني أجزم بأن الأردن يتفرد بمقومات ، ويتميز بمعالم سياحية لا تتوافر لغيره من الدول ، وهذا يجب أن يجعله لاعبًا أساسيًا في الحركة السياحية في المنطقة ، ومنافسًا قويًا لو أُحسن استخدام هذه المقومات ، وتأهيل تلك المعالم ، استعدادًا للمواسم السياحية المقبلة.
وهذه الثقة بأنفسنا لا تأتي من فراغ ؛ فالبحر الميت لا يوجد إلا في الأردن ، كأخفض بقعة على وجه الأرض ، بمياهه وأملاحه ومعادنه ، وتربته التي تُعد الأغنى بالمعادن في العالم ، مما يجعله قبلة للاستخدامات العلاجية ، كما ينفرد الأردن بالمواقع الدينية التي تزيد على خمسين موقعًا ، ما بين ضريح ، ومقام ومسجد ، لأنبياء وصحابة وأولياء ، لا توجد إلا في الأردن ، بما في ذلك موقع النبي عيسى عليه السلام ، حيث (المغطس) الذي استقبل قبل أقل من شهر ، وفدًا نيجيريًا في إطار السياحة الدينية ، لزيارة موقع تعميد المسيح ، بالاضافة الى مواقع دينية أخرى.
 
 
وفي الأردن فقط موقع أصحاب الكهف والرقيم بعمان ، ثم في الأردن ، وليس في غيره (البتراء) تلك المدينة الوردية المنحوتة في الصخر ، والتي تُعد من عجائب الدنيا السبع ، وفي عمان يتربع المدرج الروماني ، كأكبر مدرج حجري قديم في العالم ، فيما تنتشر الآثار الرومانية بمدرجاتها ، وأعمدتها ، وسراديبها في مدينة جرش ، وأم قيس وغيرهما من مناطق المملكة ، ناهيك عن البحر الأحمر بأسماكه الملونة ، وشعابه المرجانية ، وحياته البحرية ، حيث تتربع على خليجه مدينة العقبة الحيوية ، وإلى الشمال منها وادي رم ، بصخوره ، ومرتفعاته ، وأوديته ورماله ، وجماله وتحدياته ، ومغامراته.
 
 
إنه لمن الصعب على المرء حصر المواقع السياحة في الأردن ، والأماكن التي يمكن استثمارها سياحيًا ، فهناك الكثير منها: كحمامات ماعين ، وحمامات عفرا ، والقصور الأموية الموجودة في بلاد الشام عامة ، وفي الأردن على وجه الخصوص ، كقصر عمرة ، وقصر الحلابات ، وقصر الحرانة ، وقصر المشتى وغيرها.
 
 
وأما القلاع فكثيرة ، وتتفاوت في أزمنتها وعصورها ، فمنها ما يعود إلى ما قبل الميلاد ، ومنها ما بني في عصور وسطى أو متأخرة ، كقلعة عجلون (الربض) ، وقلعة الكرك ، وقلعة الشوبك ، وقلعة الأزرق ، وغيرها من القلاع ، كما تتمتع الأردن بمناظر خلابة ، وحدائق طبيعية ، كأحراش جرش ودبين ، ومحمية عجلون الطبيعية.
 
 
نقول هذا ، ونحن نرى بلادًا بلا تاريخ ، تصنع لها تاريخًا ، وبلادًا تفتقر إلى أدنى مقومات السياحة ، فتحتال على الواقع ، وتبتكر وتتفوق على نفسها ، وتنشئ مرافق الجذب السياحي ، وتنجح في جعل السياحة مصدرًا من مصادر دخلها!! ، فماذا نحن فاعلون وقد توافر بين أيدينا تراث وتاريخ ، وجمال وطبيعة ، وفي أيدينا مقومات النجاح وعناصره؟!.
 
 
لقد أحسنت (هيئة تنشيط السياحة) صنعًا ، عندما باشرت في تشجيع السياحة الداخلية ، محققة بذلك عدة أهداف في ضوء جائحة كورونا ، والإغلاقات ، وانحسار السياحة الخارجية ، وذلك من خلال برنامج (أردننا جنة) الذي نجح في الترويج للأماكن السياحية في المملكة ، والتعريف بها ، فاستقطب ما يزيد على خمسين ألف مشارك ، متمنين على الهيئة نقل هذه التجربة الناجحة ـــــــ بعد تطويرها ـــــــ للسياحة الخارجية ، ونحن على أبواب الانفتاح الكامل في الأردن. ولعل في توقيع الهيئة يوم الخميس الماضي ، اتفاقية تتضمن استقطاب وفود سياحية من جمهورية التشيك إلى المملكة باكورة أمل ، وبداية خير ، تتبعها اتفاقات وأنشطة تحيي القطاع السياحي ، وتتجاوز الماضي بإنجازات غير مسبوقة ، في أعداد السياح ، وتنوعهم ، بما ينعكس إيجابيًا على تنامي الدخل وزيادة الإيرادات.
 
 
إن تنوع المعالم السياحية في الأردن ، يُعد مصدر قوة للجذب السياحي ، فقد اشتهرت الأردن بالسياحة العلاجية ، واحتلت مكانًا متقدمًا فيها ، وعلى المسؤولين الاهتمام بهذا الجانب ودعمه ، في وقت احتفل فيه مستشفى الأمير حمزة بإجراء 300 عملية لزراعة الكلى ، وهو البرنامج الذي يجب أن نعتز به ، وبإنجازاته ، ونُحسنَ تسويقه ، ولا عيبَ في الاستفادة من التجارب الناجحة للآخرين في تسويق السياحة العلاجية ، لنضيفها إلى تجاربنا في هذا المجال.
 
 
أما السياحة الدينية ، فلدينا فرصة ذهبية ، لتنشيط هذه السياحة واستثمار المزارات والمقامات والمساجد ، واستقبال الوفود ضمن تعليمات وتوجيهات تلتزم بها ، إلا أن هذا القطاع المهم ، والذي سيدر على الخزينة إيرادات غير متوقعة ، يحتاج إلى تهيئة هذه الأماكن ، وتأهيلها ، والإبداع ، والابتكار ، والتفنن في إحيائها ، بحيث يعيش الزائر الأجواء الدينية ، ويشعر من خلال البيئة المحيطة بعبق الماضي ، من خلال تركيبة المعالم الدينية وتشكيلها ، وطريقة عرضها وتقديمها ، ومن خلال الأسواق التراثية ، والمعروضات والهدايا المرتبطة بالمكان والزمان ، لتشجيع الزائر على الشراء والإنفاق ، والحنين لهذا المكان والعودة إليه.
 
 
 وفي حقيقة الأمر ، فإننا إذا أردنا الحديث في مصادر وعائدات سياحية حقيقية ، فعلينا الاهتمام بكل معالمنا السياحية ، وفي مقدمتها هذه المقامات ، والمواقع التاريخية ، ولا أريد أن أكرر ما جاء في مقال للأستاذ محمد حسن التل بتاريخ 8/8/2021 منشور في الزميلة (عمون) ، ولكن آمل من كل من يهمه الأمر ، الرجوع إليه ، لما فيه من ملحوظات مهمة ، تُذكّرُ بأهمية المكان وقدسيته.
 
 
 
إن المتابع للأمور ، يلحظ نشاطًا واهتمامًا واضحًا بتطوير السياحة في الأردن ، من خلال دراسات وخُطط طموحة ، إلا أن حال الأردن ، ووضعه الاقتصادي ، لا يحتمل الانتظار ، ولا التأجيل ، ولا المشاريع طويلة الأمد ؛ نحن بحاجة إلى التخطيط الذي يصاحب التنفيذ ، أي تنفيذ يسابق الأيام ، ولا يجوز أن نعتمد التطوير الجزئي ، الذي يمتد تنفيذه ، والانتهاء منه عبر سنوات ، ليبدأ من جرش وينتقل إلى العقبة ، فالبحر الميت ، مرورًا بوادي رم ، وغيرها من المواقع ، نحن بحاجة إلى ثورة سياحية شاملة ، تعمل على إحياء جميع المواقع والمرافق السياحية ، وتأهيلها دفعة واحدة ، وعرض الأردن الحديث في مئويته الثانية ، وفي حلته الجديدة ، كوجهة سياحية متكاملة.
 
 
 
لقد لعبت الظروف التي أحاطت بنا منذ سنوات لصالح السياحة الأردنية ، وكانت هذه الظروف مواتية ليكون الأردن الوجهة المفضلة للسياحة العربية والعالمية ، فسوريا مغلقة أمام السياحة منذ سنوات ، ولبنان يعاني ما يعانيه ، ومصر تعرضت لسنوات من عدم الاستقرار ، وبالتالي كان على الأردن أن يقتنص هذه الفرص ، بتطوير الأداء ، واستقطاب السياحة ، وخاصة الخليجية منها ، حيث يتوجه منذ سنوات ، مئات الآلاف من الدول الخليجية الشقيقة ، ـــــــ وغالبًا مع عائلاتهم ـــــــ إلى ماليزيا ، والبوسنة ، وأوكرانيا وغيرها ، وكان الأردن وما زال أحق باستضافة هؤلاء السياح ، لما يجمعهم بنا من اللغة والعادات والتقاليد ، إضافة إلى الأمان والاستقرار الذي يعم ربوع المملكة ، وتقدير الأشقاء في الخليج للأردن ، ومحبتهم لها ، واحترامهم لشعبها ، فعلى من يهمهم الأمر ، أن يدرسوا هذه الظاهرة ، وأسباب الجذب السياحي لتلك الأماكن ، وكيفية تحويل وجهتهم إلى الأردن.
 
 
وبعد ، فإننا نريدها في الأردن سياحة عملية ، لا سياحة إعلامية ، إذ لا مجال الآن للترف السياحي ، فلا مهرجان جرش ، ولا الملاهي الليلية تنقذ ميزانية الوطن ، بل تنقذه السياحة الخارجية ، بحيث تحط طائرة ، وتُقلع أخرى ، نريدها سياحةً نظيفةً تعكس أخلاقنا ، وعاداتنا وتقاليدنا ، وتراثنا وتاريخنا ، وأصالتنا وانتماءنا ، وكرمنا وعطاءنا ، وهذا ما يُقدّره ويتوقعه جُلُّ الزائرين ، دون أن نحرم شرائح أخرى من اهتماماتهم ، وأنشطتهم السياحية ، فالأردن بما يتمتع به من تنوع ديني وحضاري ، وقيم التسامح والعيش المشترك سيظل يرحب بزائريه ، وستبقى أبوابه مشرعة دومًا للجميع.
 
 
 
إن المسؤوليات التي تتحملها وزارة السياحة كبيرة وعظيمة ، والأعباء التي تحملها على كاهلها ثقيلة ، تحتاج إلى تضافر الجهود ، إذ أمامها طريق شاق ، لتحقيق الآمال التي يعلقها عليها الجميع ، فالبنية التحتية تعاني منذ سنوات ، وتحتاج إلى إصلاح وتأهيل ، وبناء وإنشاء ، ونحن لا نتحدث عن بنية تحتية في موقع أو موقعين ، بل عن مواقع متعددة ، من شوارع وطرقات ، ومرافق صحية ، وغرف فندقية ، وتوفير نقل سياحي مناسب ، وحملات تنظيف ، وترميم للقلاع والقصور وما حولها .
 
 
 
هي مهام متعددة ، تحتاج جهودًا جبارة لتحقيقها ، وعملاً دؤوبًا لإنجازها ، وتعاونًا صادقًا ، ومشاركة فاعلة من عدة وزارات ، ومؤسسات ، وجهات أخرى في الوطن ، بل تحتاج إلى إشراك المجتمع المحلي ، وطلاب الجامعات ، مع توفير جميع المتطلبات والإمكانات لتسريع الإنجاز ، خدمةً للوطن ، واستكمالاً لشعار (أردننا جنة) ، ولا شك في أن وزارة السياحة ، وهيئة تنشيط السياحة بمسؤوليها وموظفيها ، هم خير من يتحمل هذه المسؤولية ، والقادرون على تحقيق الكثير من الإنجازات التي يطمح إليها الوطن ، وهذا ما سيلمسه الجميع في القريب العاجل إن شاء الله.