شريط الأخبار
توقيف شخص 15 يوماً زوّر تقارير طبية لفتاة الملكية الأردنية: لم تتم الموافقة على تسيير رحلات جوية بين الأردن وسوريا البحث عن غريق في سد الملك طلال (صور) الفوسفات تؤكد عدم صحة ما تم تداوله حول التأمين الصحي للمتقاعدين الاستئناف تحكم على الوزير الأسبق هلسة بالسجن شهر وتضمينه ١٦١ الف دينار اعتصام لــ متقاعدي شركة الفوسفات "صور" الصحة: فحوصات عشوائية لمرتادي مهرجان جرش خلال جولات تفتيشية.. هذا ما تم ضبطه في الزرقاء العمل ترحل 113 عاملا وافدا مخالفا خلال 20 يوما لا مواد نفطية في السائل الاسود في فيديو البحر الميت وزير الداخلية يقرر اعادة فتح مركز حدود جابر الاربعاء 1300 باخرة تدخل موانئ العقبة خلال 2021 الصحة تنشر أسماء مراكز الجرعة المعززة "الثالثة" الاثنين " مستثمري المناطق الحرة " تحذر انهيار اجزاء من عمارة سكنية في مخيم الحسين "صور " سماوي: الالتزام بتطبيق البروتوكول الصحي في مهرجان جرش كان 100% وفد حكومي سوري يزور الأردن الاثنين صلح عمان تمنح المتهمين بقضية "اكسجين السلط"14 يوما راكان السعايدة يكشف الحقائق ويتوعد المجلس الطبي يوضح بشأن اعتماد طبيب قلب في البورد الأردني

د. محمد علي النجار يكتب:

البسطات العشوائية ... مكانك سر!!

البسطات العشوائية  مكانك سر
إذا استمر الوضعُ على حاله ؛ ما بين تفتيشٍ ومصادرة ، فإنَّ في ذلك إهدارًا للوقت والجهد ؛ لأنَّ هذا يعني أننا سنظل ندور في حَلْقة مفرغة ، ولن نغادر المربع الأول ، وإن غادرناه سنعود إليه بعد وقت قصير. 


هي ظاهرة مزمنة ليست بالجديدة على العاصمة عمّان ، بل عمرها يمتد عبر عقود من الزمن ؛ فما زلت أذكر ــ وأنا طالب قبل أكثر من خمس وأربعين سنة ــ تلك البسطات ، أثناء توجهي للجامعة صباحًا ، مارًا بوسط البلد ، وازدياد أعدادها عند عودتي مساءً ، مارًا بذات الطريق. إذًا هي ظاهرة قديمة متوارثة جيلاً بعد جيل ، بل هي ظاهرة ليست حكرًا على الأردن ، إذ لا تكاد تخلو منها عاصمة ، أو مدينة ، في ما يُعرف بالدول النامية ، أو دول العالم الثالث ، مع اختلاف في أسلوب المعالجة والتنظيم!!. 
وإذا أردنا أن نعرض للواقع في عمّان ، فإن هذه البسطات تنتشر بشكل عشوائي على امتداد مساحات العاصمة ، وتزداد انتشارًا مع مرور الأيام ، بحيث لا تكاد تخلو منها منطقة أو شارع عام ، أو مكان يشهد حركة ، أو تجمعًا ، كمسجد أو دائرة أو (بنك) ، إذ تتربع هذه البسطات فوق الأرصفة على حساب المارة ، أو تحتل شريطًا من الطريق على حساب انسياب حركة السيارات ، ومن المؤكد أن الجميع يلحظ هذه الظاهرة ويراها ، وإن لم يرها فسيصطدم بها!!.
ومما يزيد الطين بلة ، ما شاهدناه أثناء الحملات التفتيشية المشتركة ، حيث نافست محلات تجارية هذه البسطات في الاستيلاء على الأرصفة ، وجعلتها جزءًا من محلاتها ، ورأينا محلات بيع الخضار التي لم تكتف بأن تحتل الأرصفة ، بل تجاوزتها بالاعتداء على الطريق ، تاركة فيها ممرات ، لا تكاد تتسع لمرور شخصين ، مما أعاق حركة المتسوقين والمارة ، فجعلهم يتكدسون على شكل طابور في وقت نعاني فيه من وباء كورونا ، وننادي بالتباعد الاجتماعي ، وهذا يُعد اعتداءً صارخًا على حقوق المواطنين.
إذًا والحال كذلك ، لا يلوم أحدٌ الجهات المسؤولة ، عندما تقوم بتطبيق النظام والقانون ؛ فالبسطات ليست قانونية ، وأصحابها لا يلتزمون بالنظام ، فهي تشوه المكان ، وتزعج المارة ، وتعيق المرور ، وتزيد الزحام ، وتنافس المحلات التجارية منافسة غير عادلة ، بأسعارها وزبائنها وأرباحها ، حتى ضاق كثيرون ذرعًا بهذه العشوائية فوق الأرصفة ، وعلى جوانب الطرقات ، وعبروا عن عدم الرضا في كثير من الأحيان ، وتمنوا على الجهات المسؤولة ، إعادة الأمور إلى نصابها. 
قلنا: إن الظاهرة قديمة ، ولا شك أن محاولات علاجها بدأت عندما تنبه المسؤولون لسلبياتها ، ثم واكبتها هذه المحاولات ، على مدار العقود الماضية ، إلا أن الفارق هنا ، أنه لم تكن لدي العامة في ذلك الوقت من وسائل التواصل الاجتماعي ، ما هو موجود الآن بين أيدي الجميع ؛ الصغير قبل الكبير ، والفقير قبل الغني ، والأمي قبل المتعلم ، والمتعطل قبل الموظف ، مما جعل كل حركة تحت المجهر، ولم يعد من السهل إخفاء ما يدور على الساحة ، فالهواتف النقالة جاهزة للتصوير والنشر ، والتعميم والمشاركة ، دون ضابط أو رقيب ، وهنا تكمن مشكلة الحملات التفتيشية ، التي لن تخلو من سلوكيات قد يتم تضخيمها ، هذه الحملات التي تمخضت عن كثير من المقاطع المصورة ، بكل ما فيها من إيجابيات أو سلبيات ، انتشرت كالنار في الهشيم ، فأشعلت وسائل التواصل الاجتماعي بالنقد والتعليق.
وما دامت هذه البسطات العشوائية منتشرة في أنحاء العاصمة ، فكان لا بد أن نرى تلك الحملات المشتركة في مناطق العاصمة دون استثناء ؛ من خربة السوق إلى الوحدات ، فجبل النصر ووادي الرمم ، فالمحطة وماركا ، مرورًا بسقف السيل ووسط البلد وغيرها من الأماكن ، وشاهدنا مصادرة أقفاص الحمام والعصافير ، والملابس والأحذية ، والخضار والفواكه ، وعبوات مسحوق الغسيل ، وغيرها من الأصناف ، وبات الموقف وكأننا في حالات كر وفر ، مع أناس غرباء عن هذا الوطن ، فيما بدت بعض التصريحات المصاحبة مؤلمة ، عندما يشير أحد المسؤولين (الرأي، الأربعاء 28/4/2021) إلى أنه يتم يوميًا إزالة ما يقارب (130) بسطة ، مؤكدًا أن المواد الغذائية التي يتم ضبطها ، يتم إتلافها على الفور ، من قبل لجنة متخصصة لذلك!!. 
ومن هنا كانت النتيجة تصرفات جرحت مشاعر المواطنين ، مما استدعى الاعتذار عن بعض هذه السلوكيات ، في وقت كان من الممكن لو أحسنا التصرف ، أن نعفي أنفسنا من هذه الاعتذارات ، سواء عن الطريقة التي تمت بها مصادرة الطيور ، أو الاعتذار عن استخدام جرافة لإزالة عريشة البطيخ ، التي لا تعيق حركة المارة ، ولا السيارات ، وكذلك تعويض الشخص الذي ألقى بنفسه أمام سيارة الأمانة بعد أخذ بسطته ، ولا الاعتذار ــ قبلها بشهورــ لصاحب كشك الثقافة العربية الذي صودرت بعض كتبه ، ثم تم إرجاعها ، ولا قبلها بسنوات لأم رامز التي صودرت عربتها بما عليها من بيض وزعتر وكعك!!. وغيرها من المواقف الصعبة ... ناهيك عن الحسرة التي تملأ قلوب الكثيرين ، ممن صودرت منهم بسطاتهم ، أي رؤوس أموالهم ، ومصادر أرزاقهم.
ففي الوقت الذي تُشكر فيه الجهات المسؤولة على تطبيقها للنظام ، وإنفاذ القانون من خلال الجولات التفتيشية المشتركة ، في الأسواق والمطاعم ، والمخابز والشوارع والطرقات والمحلات ، وهي بذلك في الواقع تقوم بعملها ، وتطبق الأنظمة والقوانين المعمول بها ، والمنظمة لمثل هذه الحالات ، ولكن يبدو أنها لم تأخذ في الاعتبار التخفيف من وطأة هذه الحملات ، للتخفيف من وقعها على الناس ، ولم تأخذ في الاعتبار المعاناة التي يعيشها المواطن بسبب الإغلاقات ، وأزمة كورونا ، ولم تأخذ في الاعتبار ، أن هذا البائع أو ذاك ، يستحق التقدير والاحترام ؛ لأنه يسعى على رزقه بالسبل المتاحة ، بدلاً من الوقوف على الإشارات الضوئية ، أو مد يده بسبب الفقر والجوع والحاجة ، أو اللجوء إلى طرق غير مشروعة للكسب. 
لم يفكر مَن أَمَرَ ، أو من نفذ المصادرة ، لم يفكر في أن لكل واحد من الباعة قصة محزنة: أحدهم رجل خمسيني ، يعاني من الضغط والسكر ، يصرف على ابنه الوحيد الذي يدرس في الجامعة ، ويعالج ابنته المريضة ، اضطر أن يتنازل عن شيء من كرامته ، واستدان مبلغًا من أحد أقاربه ، ليشتري به بضاعة هي عبارة عن صحون ، وأكواب ماء وشاي ، وفناجين وغيرها ، ليبيعها ، ويستطيع إعادة جزء من دينه لقريبه ، ودفع أجرة بيته ، والإنفاق على أسرته ، وكانت النتيجة خسارة بسطته التي هي رأس ماله الذي استدانه ، فتبخرت أحلامه ، وتراكمت ديونه ، فلم يستطع مغالبة دموعه ، وما أصعب دمعة يأس وإحباط تنساب من عين رجل خمسيني!!.. هذه حالة واحدة ، وعلينا أن نتصور ونتخيل ونقيس عليها معظم الحالات الأخرى ، فهل فكرنا بالآلام التي سببناها لعدد كبير من مواطنينا الذين انقطعت بهم سبل العيش ، فخرجوا يرتزقون ، وأعتقد أننا في غنى عن سرد قصة ملك فرنسا وابنته والجاتو التي يعرفها الجميع .. فإذا كنا نأكل ونشرب ، ونلبس وننفق ، فليس معنى هذا ألا نشعر بعذابات الآخرين.  
المشكلة... وأعني البيع العشوائي ، لا تحلها الحملات التفتيشية ، لا الفردية ولا المشتركة ، فمنذ سنوات وهذه الحملات تصادر ، وتخالف ، وتنذر ، وفي اليوم التالي تعود البسطات إلى مكانها!!. ثم كم نحتاج من الموظفين لتنظيم حملات تفتيش            تغطي جميع مناطق العاصمة ، وكم من الوقت يلزمنا لتنفيذ ذلك؟!! .... إذا استمر الوضع على حاله ؛ ما بين تفتيش ومصادرة ، فإن في ذلك إهدارًا للوقت والجهد ، لأن هذا يعني أننا سنظل ندور في حلقة مفرغة ، ولن نغادر المربع الأول ، وإن غادرناه سنعود إليه بعد وقت قصير. 
المشكلة قائمة منذ سنوات ، ولهذا تم عام 2012 استحداث (دائرة البيع العشوائي) في محاولة لمعالجة ظاهرة البسطات والقضاء عليها ، ومن يومها ، وبعد قرابة عشر سنوات لم يتم القضاء على هذه الظاهرة ، وكذلك ما تم من إعادة هيكلة الدائرة التي أعلن عنها في شهر مايو الماضي لن يحل المشكلة ، ولن يقضي عليها ، كما أن الأسواق الثلاثة الموجودة حاليًا ، ومعها الأسواق الثلاثة المزمع إنشاؤها لن تحل المشكلة ، فهذه الأسواق في واد ، ومشكلة البسطات في واد آخر ، أما قطع الأرض الست عشرة التي قيل إنه سيتم تخصيصها لأصحاب البسطات ، فإنها أيضًا غير قادرة على حل المشكلة ، هذا إن تم تنفيذ ذلك بالفعل ، ولكن ربما تخفف من حدتها. 
إن البسطات التي نراها هي وليدة مكانها ، ومن الصعب نقلها إلى أسواق في أماكن أخرى قد لا تلبي طموحات البائعين ، ولا رغبات المستهلكين ، الموضوع يحتاج إلى نظرة واقعية ، وجهود صادقة ، ودراسة معمقة ، وتخطيط سليم ، تبدأ بمسح الأماكن التي تتواجد فيها هذه البسطات ، والأماكن القريبة منها ، وقتها سنجد أن هناك أماكن ميتة ، قليلة الحركة ، أكثر اتساعًا ، قريبة من المكان ، وفي الشارع ذاته ، يمكن نقل البسطات إليها ، لإحياء المكان وتنظيمه ، بعيدًا عن الفوضى والاعتداء على الأرصفة والطريق ، ويمكن لأمانة العاصمة منح المستحقين منهم تراخيص مؤقتة ، وتحصيل رسوم رمزية ، وأن تُلزم أصحاب البسطات بشروطها التي تحفظ النظام والصحة العامة. 
في أمانة العاصمة ، وغيرها من الجهات ذات العلاقة من العقول التي لن تعجز عن وضع الحلول الواقعية المتوازنة ، لإغلاق هذا الملف والتفرغ لملفات أخرى ، بعيدًا عن المسكنات ، أو الحلول المؤقتة ، التي تضع الملفات في الأدراج ، بانتظار أن يعالجها الجيل القادم من المسؤولين ، نحن بحاجة إلى أفكار ناضجة ، وقرارات مسؤولة ، تحفظ حقوق الجميع ، فأمانة العاصمة من حقها القيام بمسؤولياتها ، وفرض النظام وتطبيق القانون ، والمواطنون الذين أُغلقت في وجوههم الأبواب مضطرون للعمل ، وليس أمامهم إلا السعي ، وبشتى الطرق ، ومنها هذه البسطات  .. إذًا نحن في حالة لا بد فيها من استحضار المعادلة التراثية التي تقول: (لا تفنى الغنم ولا يموت الذيب)!!.