شريط الأخبار
الغذاء والدواء توضح حول النودلز الكوري جامعة عمان الأهلية تعلق دوام يوم غد يوم الخميس اعلان حالة الطوارئ القصوى الطفيلة: ثلوج وانجماد واغلاق جزئي لعدة طرق الأشغال تزيل عوائق امام 3 حافلات سياح في الجنوب اسعار الذهب محليا الأربعاء الحكومة حول دوام الخميس نشرة جديدة حول تطورات الحالة الجوية تعليق الدوام في الجامعة الأردنية بسبب الظروف الجوية وفد من جامعة عمان الأهلية يزور المركز الأردني للتصميم والتطوير JODDB حب السلطة والنفوذ تحديد بداية شهر رمضان فلكيا الباص السريع من الساعة 8 صباحا حتى 8 مساء الثلاثاء استشهاد الوكيل محمد المشاقبة ليلحق بالنقيب الخضيرات تفشي مرض فيروسي بمزارع غور الاردن بفلسطين النائب القطاونة: لا نية لدى النائب حسن الرياطي تقديم استقالته تأخير مراكز التطعيم حتى الساعة ١٠ صباحا توجيهات ملكية سامية بإرسال طائرة إخلاء طبي لنقل مصاب أردني في السعودية تغريم 17 شخصًا في المفرق نحو 9 آلاف دينار الاجتماع الأول للمجلس الاستشاري الخاص بمركز صحة المرأة في جامعة عمان الأهلية

الانطواء : دراسة في الأسباب

الانطواء  دراسة في الأسباب
د. محمد علي النجار
      للانطواء ومظاهره أسباب كثيرة ومتداخلة ، بل أسباب متراكمة .. سبب يؤدي إلى آخر ، وإن كانت التنشئة الاجتماعية ( SOCIALIZATION ) تلعب دورًا مهمًا في هذا المجال " إذ يتأثر الفرد منذ ولادته بالبيئة المحيطة به أي يتأثر بأسرته وثقافته الفرعية التي تنتمي إليها الأسرة "( يوسف عبد الفتاح، الفروق في القيم، ص341) إلا أننا لا نستطيع تحديد سبب أو مجموعة أسباب ، واعتبارها مسؤولة عن حدوث حالة الانطواء عند فرد ما ، لأننا بذلك نجانب الصواب ، فمن الخطأ تعميم حالة ما على الحالات الأخرى التي تقابلنا ، إذ لكل حالة ظروفها الخاصة ، إلا أنه يمكننا القول: إن هناك عوامل تكمن وراء الانطواء عند شخصية ما ، إذا وجدت هذه العوامل ما يعززها من عوامل ذاتية تساعد على بروز هذا السلوك عند هذا الفرد أو ذاك ، إضافة إلى عوامل أخرى ثانوية ، ساعدت على اكتمال مظاهر هذه الشخصية.
        ومن البدهي ألا ننسى أن مثل هذه المشكلة تتصل بجوانب الشخصية الأربعة : الجسمية  ، والنفسية ، والعقلية ، والاجتماعية . فكلها تساهم في بناء الشخصية ، وتحديد سماتها ، ولا يمكن الفصل بينها ، فهي متداخلة ومتشابكة ، وتتأثر وتؤثر أخذًا وعطاءً ؛ لأن جوانب الشخصية ذاتها كذلك ، فهي ليست أجزاء متفرقة ، بل هي كلٌ متكامل يتمم كل جانب منها الجوانب الأخرى ، مكونة معًا الشخصية المتكاملة .
          وبمعنى آخر فإن " السلوك الإنساني لا يمكن أن يكون وليد دافع واحد ، فالإنسان تحكمه دوافع مختلفة ، بعضها يتجمع ويدفع السلوك بفعل تراكمها ، وبعضها يتصارع مع البعض الآخر ، وينتهي الصراع بسلوك معين ، فالسلوك الإنساني دائما ليس نتيجة دافع واحد ، بل مجموعة من الدوافع تتفاعل مع بعضها بطريقة معينة ، لتؤدي في النهاية شكل السلوك " (محمود الزيادي ، أسس علم النفس العام، ص 195)
  ومن أهم هذه العوامل :
الأسرة : يقال: الأديب ابن بيئته ، وكل إنسان نتاج أسرته ، فالأسرة المستقرة تساهم مساهمة كبيرة في بذر نواة وأسس الشخصية السوية للطفل في السنوات المبكرة من عمره ، والطفولة السوية هي الطريق المؤدية إلى إنسان سوي .
         " ويتفق علماء الاجتماع والتربية ، أن سنوات الطفولة الأولى تعتبر حاسمة في حياة الطفل من حيث تلقينه وتعليمه وتدريبه على المواقف الاجتماعية … وقد يتعرض الطفل في هذه المرحلة إلى تأخر في النمو العقلي والجسماني والخلقي والعاطفي ، إذا لم تتوافر له بيئة اجتماعية ملائمة " (محمد حسن غامدي ، التنشئة الاجتماعية للطفل في مجتمع الإمارات ، ص 52 – 53)  ومن هنا نشعر بأهمية التكيف الاجتماعي الذي تتكون بذرته الأولى منذ الطفولة ، بل في السنوات الأولى من عمر الإنسان ، وتلعب الأسرة بجميع أعضائها ، وبخاصة الأم والأب ، الدور الرئيس في صياغة الشخصية ، وتزويدها باحتياجاتها الخاصة بالتكيف والاندماج في المجتمع ، لذا لا عجب إن رأينا المتخصصين بطب الأمراض العقلية والنفسية عند الأطفال ، يبدون اهتمامًا شديدًا بمرحلة الطفولة الأولى ، لكونها الحجر الأساس في شخصية الفرد ، ويؤكدون " أن الحياة ليست سوى سلسلة زمنية متصلة متكاملة الحلقات ، وأن كل ما يحدث في أولى حلقاتها وهي مرحلة الطفولة ، لاشك يترك آثاره على المراحل التي تليها بشكل واضح " (محمد سلامة غياري ، الانحراف الاجتماعي ورعاية المنحرفين ،ص 56) ودلت الأبحاث على أثر المنزل والأسرة في تحديد درجة التكيف زيادة ونقصانا عند الفرد " فثبت أن الذين نشأوا في منازل تتصف بالشقاء العائلي ، أو سلوك الأبوين غير السليم ، أقل تكيفًا من الأطفال الذين نشأوا في بيوت تتوفر فيها الثقة والحنان والحب " (المرجع السابق، ص 123. وينظر غياري: مدخل علاجي جديد لانحراف الأحداث، ص52-53) لذا يحذر الأطباء والأخصائيون النفسيون من الآثار السيئة المترتبة على التصدع العاطفي في الأسرة ، أو سيطرة الجانب المادي عليها ، وإهمال الأبناء .
الخلافات بين الزوجين : لعل المشكلات الأسرية من أخطر المواقف التي تؤثر تأثيرًا سلبيًا وعميقًا في نفس الطفل الذي لاحول له ولا قوة ، ويخطئ الأبوان إذا ظنا أن الطفل في سن مبكرة لا يشعر ، ولا يتأثر بمشهد العنف ، أو العصبية ، أو الغضب بين الوالدين ، إذ من المسلم به أن الطفل ينقل تلقائيًا قلقه مما حوله ، إلى سلوك آخر تنفيسي ، أو سلوك يقلد فيه أبويه ، فالأطفال "يكتسبون اتجاهاتهم النفسية بتقليد الآباء والأهل ، وبتكرار الخبرات العائلية الأولى" (السيد رمضان ، مدخل في رعاية الأسرة والطفولة ،ص 17)  ومن هنا تبرز أهمية كبت وإخفاء أي خلافات بين أفراد الأسرة ، وبخاصة بين الأب والأم لأن " استمرار اضطراب الحياة الزوجية ، له انعكاساته السلبية ، وتأثيراته الضارة على الصحة النفسية للطفل ، حيث ينعدم الشعور بالأمن ، أو الانتماء للأسرة من جانب الأولاد ، ويعتصرهم صراع الولاء للأب أو الأم ، وفقدان مصدر السلطة والحنان ، والرقابة ، والتثقيف والتربية ، فيهيمون على وجوههم في الشوارع " (المرجع السابق ، ص 174) وإذا كانت أكثر حالات الخلاف بين الزوجين المطلقين قد ظهرت بعد الإنجاب تبين لنا مدى تأثير ذلك على النشء ، فإذا كانت المشكلات بين الأب والأم تؤثر سلبًا على الأطفال ، فما بال الأمر إذا وصل إلى درجة الانفصال والطلاق ، إن مجرد الحديث عن الطلاق بحد ذاته ، يعد أمرًا خطيرًا له تأثيره القوي في نفسية الطفل ، بل وفي نفسية الشاب ، ويعرض عبد المجيد كركوتلي في كتابه " مشكلات ودراسات من العيادة النفسية" حالة صبي في الثانية عشرة من عمره كان شعلة نشاط وحيوية ، انقلب شخصًا منزويًا عن أخوته وأهله ، منطويًا على نفسه ، ويرى أن الخطر جاءه من أقرب المقربين له ، جاءه من الأب و الأم ، وإذا كانت هناك نية جدية لشفائه ، وعودته لطبيعته ، فعلى الأم والأب إدراك أنه ليس من حقهما عرض عضلاتهما أمام أطفالهما ، وحينما يعود الأب إلى صوابه ، والأم إلى رشدها ، ويبتعدان عن المشاحنات ، أو يؤجلانها لحين ابتعاد أطفالهما ، ويأخذان بيد ابنهما إلى الهدوء والاستقرار والأمن والاطمئنان سيعود الطفل إلى مرحه واجتماعيته ، بعيدًا عن الانسحاب والانزواء والانطواء. (ينظر: عبد المجيد كركوتلي، مشكلات ودراسات من العيادة النفسية، ص 59 – 63 بتصرف)
الطلاق: إن مجرد ذكر الطلاق أمام الطفل صغيرًا كان أم كبيرًا يؤدي إلى الشعور بالضياع ، وعدم الأمن ، وفقدان التوازن النفسي والاجتماعي ، أما في حالة الطلاق فكثيرًا ما يضطر الابن إلى الانتقال من البيت الذي تهدم وتحطم إلى بيت آخر ، ليعيش غريبًا مع زوجة أبيه ، أو مع زوج أمه ، وفي كلتا الحالتين ” ينبغي على الطفل أن يتكيف مع زوجة الأب ، أو زوج الأم ، بينما يشعر أن أباه أو أمه الحقيقيين على قيد الحياة … أما الأطفال الجدد الذين يولدون عن الزواج الجديد ، فيصبحون من عوامل المنافسة له والضيق ، نتيجة ما يجدونه من رعاية واهتمام الأبوين .. و يتحتم على الطفل الذي يتنقل بين الأبوين المطلقين ، أن يلتقي بأخوة لأبيه أو لأمه ، وفي كلا الموقفين وبطبيعة الحال سوف يختلف البيتان في كثير من الأمور و أساليب الحياة .. لذلك ينبغي أن يتعلم الطفل طريقة المعيشة في بيئتين مختلفتين " (السيد رمضان، م س، ص191)
      ومهما يكن من أمر فإن وجود الطفل في هذه الحالة غير المستقرة ، وهذه الحياة الجديدة بأسلوبها الغريب ، ستؤدي في المقابل إلى صعوبات سيواجهها الطفل ، فهو الأكثر إحساسًا بالمشكلة ، لقد حلت للأب مشكلته بطلاقه وزواجه الجديد ، و حلت للأم مشكلتها كذلك ، وبقيت مشكلته معلقة ، بعد أن فقد الأمن والاستقرار ، والحب والحنان ، وهو لا يستطيع  تحت وطأة زوجة أبيه أو زوج أمه ، أن يتصرف في شيء ، فهو يشعر بأنه لا بيت له ولا مكانة ، و أنه لا يستطيع أن يتصرف في أي من البيتين ، مثلما يمكنه أن يتصرف في بيته بين أمه و أبيه قبل طلاقهما ، فهو لا يعرف كيف يمكن له أن يبرر بعض المواقف الطارئة أمام زملائه وأصدقائه ، سواء من أبناء الجيران أو تلاميذ المدرسة ، فيوضح علاقته بهذا البيت أو ذاك ، وهو في حيرة من أمره ، حيث لا يتقن التعامل مع غير أبيه أو أمه ، فكيف له أن يتعامل الآن مع الأب الجديد أو الأم الجديدة المفروضين عليه ؟! .
         وهو لا يدري أين الحدود التي يجب أن يقف عندها ، لأنه إذا تجاوزها فلن يجد من يبرر له هذا التجاوز في البيت الجديد ، وهل بإمكانه أن يدعو بعض أصدقائه ورفاقه للعب معهم في البيت ؟! وهل ..وهل ؟! 
 كل هذه الأمور و غيرها ، ستمثل ضغوطًا نفسية على التلميذ الذي لا ينفك يقارن بين حياته وحياة الآخرين من زملائه ، وبين آبائهم وأمهاتهم وأمه وأبيه ، كل هذا وذاك سيقود الطفل إلى الشعور بالنقص ، والاكتئاب والإحباط ، وربما الحقد على الآخرين ، أو يحرمه من التكيف مع بيئته الجديدة ، وينتهي الأمر بانطوائه . صحيح أن هناك حالات طلاق تكون في السنة الأولى للزواج ، ولكن النسبة الأكبر تكون بعد الإنجاب ، حتى وإن كان الطلاق في السنة الأولى فسينتج عن مثل هذه الحالة إنجاب ، فلو افترضنا وجود ما معدله طفلين في الأسرة قبل الطلاق ، وإذا عرفنا أن حالات الطلاق في الأردن خلال الفترة من سنة 2015-2020 بلغت ما يقارب 122000 حالة (دائرة الإحصاء العامة) ، فإن معنى هذا وجود ما يقارب ربع مليون طفل عايشوا تجربة الطلاق وأن نسبة غير قليلة منهم عرضة للشعور بالنقص ، والاكتئاب ، والإحباط ، والانطواء.