 هل يجيد مسلمو الدانمارك ممارسة حقهم في التعبير؟ يشكو بعض الناشطين في المؤسسات الاسلامية وغيرها في الدانمارك، من حرية التعبير المنفلتة من أية قيود، مما يسمح لبعض الاطراف المغرضة باستغلالها في مهاجمة الاسلام والمسلمين، كما حدث في الرسوم المسيئة، وكما يحدث هذه الايام حيث يطلق اليمين المتطرف تصريحات معادية للاسلام بين الحين والاخر. كل ذلك صحيح الى حد كبير. لكن المشكلة ليست قطعا في حرية التعبير. لانها في حقيقة الأمر قيمة حضارية عظيمة ومنجز إنساني رائع.
وحرية التعبير بالمناسبة ليست من منتجات الحضارة الغربية، كما يتصور بعضنا، بل هي نتيجة تراكم حضاري تاريخي متواصل. فقد فُطر الانسان على الحرية، وعبر عن نفسه ومشاعره ومعتقداته بشتى الوسائل، ودفع كثيرون على مر العصور، حياتهم ثمناً لممارستهم حقهم في التعبير. ويزخر التاريخ الانساني ومنه تاريخنا العربي الاسلامي، بشواهد كثيرة على ذلك. لذلك نقول ان المشكلة ليست في حرية التعبير، وليس صحيحا القول ان حرية التعبير لا سقف لها ولا قيود عليها في الدانمارك. فالقانون الدانماركي يتيح للمتضرر حق الشكاية ويرتب عقوبات محددة، وهذه قيود، لكنها تختلف في شدتها من بلد الى آخر حسب قوانينه السارية. ويمكن لمسلمي الدانمارك في المستقبل، عندما يصبح لهم وزن سياسي قوي، أن يوسعوا رقعة هذه العقوبات بما يضمن لهم ولمقدساتهم الحماية القانونية الكاملة. ولكن هل يجيد مسلمو الدانمارك ممارسة حقهم في التعبير ؟ أم أنهم استحسنوا دور الضحية واكتفوا بردات الفعل على هذا وذاك؟ للاجابة على هذه الاسئلة لابد من استخدام معيار واضح ، وهو الحضور الايجابي والفاعل على مستوى الاعلام والثقافة، لانهما أفضل مجالين لممارسة حق التعبير. وهذا الحضور لن يتم إلا إذا طور المسلمون أدوات إعلامية وثقافية فاعلة. وبدأت المؤسسات القائمة بتشجيع النشاطات والمشاريع الاعلامية والثقافية، وفسحت المجال لمبادرات جديدة تنبثق عنها مؤسسات متخصصة في هذين الحقلين الواسعين. فالكثير من المؤسسات القائمة لا علاقة لها لا بالاعلام ولا بالثقافة، وبعضها لاتشجع اية مبادرة جديدة في هذه المجالات، بل تقف من مثل هذه المبادرات أذا ما انطلقت ، موقف المتشكك، وقد تحاربها وتثير الغبار حولها. ومع ذلك تشكو مما تسميه التهميش الاعلامي والثقافي. بناء على ذلك يمكننا القول اننا لا نمارس حالياً حقنا كاملا في التعبير، لأننا لم نمتلك بعد الوسائل التي تساعدنا على ذلك، ولم نستغل ما هو متاح بشكل جيد. رئيس التحرير
|